ذكرى حديقة.. والبكاء جمالاً

العدد: 
9186
التاريخ: 
الاثنين, 10 أيلول, 2018
الكاتب: 
د. ريم هلال

في مطلع صِباي، أي منذ زمنٍ بعيدٍ بعيد، كنّا نقيم في بيتٍ في الطابق الأرضيّ، تحيط به حديقةٌ في غاية الجمال برعايةٍ من والدي رحمه الله، إذ لم يَدَع نوعاً من أنواع الأزهار إلا زرعها فيها، ولا لوناً من ألوانها، فشكّلَت بذلك محطّةً لأنظار كلِّ من يمرُّ بها . . ماذا أُحصي من هذه الأزهار؟ الياسمين الأبيض، الياسمين الأصفر، الفُلّ بأنواعه الثلاثة، المألوف والطائيّ والمكبَّس، كما أُحصي أزهار الفتنة، القرنفل البلديّ بألوانه، الورد الجوريّ بألوانه، البنفسج، أزهار تُدعى بالفرنسيّة بونسيه، الزنبق، زنبق مار يوسف، الجنّار، السوسن، الجلّنار، فم السمكة، المنثور بألوانه، القرطاسيا التي تتلوّن بحسب مراحل تفتُّحها، إضافةً إلى وردٍ أزرق لا أعرف اسمه وإن كان لا ينفكُّ يتسلّقُ على نوافذنا.
وفي أوّل أمسيةٍ ربيعيّةٍ حلَّت علينا في ذلك البيت، الذي كنّا قد انتقلنا إليه من بيتنا الأسبق، خرجنا أنا وأفراد أسرتي جميعاً إلى تلك الحديقة، فإذا نسيمُها يحمل إلى أعماق روحي، إلى أعماق أعماقها، مزيجاً مذهلاً من العطور، قد استخلصها من مجمل الأزهار التي ذكرتُ بعضَها وفاتَني بعضُها الآخر، وأنا التي لم أكن حينذاك قد بدأتُ الكتابة، لا الشعريّة ولا النثريّة، مكتفيةً في سنتيَ الجامعيّة الثانية بالتحصيل الدراسيّ، كم ألفيتُ نفسي قاصرةً عن التعبير، عن حالتيَ السامية التي حلّقَت بي، بل حتى من خلال الكلام العاديّ، لم أتمكّن من التعبير عنها، وهكذا إلى أن عثرتُ في ثوانٍ عديدةٍ على لُغتيَ التي وجدتُها خاصّةً بي، إنها لغةُ دموعي، التي أخذت تسيل بهدوء من عينيّ، فعمدتُ إلى حجبِها عن الجميع، لِما وجدتُ فيها من غرابةٍ، إذ كيف لأحدٍ أن يلجأ إلى البكاء حيالَ الجمال. 
ومرَّت من بعد ذاك المساء الساحر سنواتٌ تلوَ سنوات، كابِتَةً حالتي لم أُفضِ بها حتى إلى أقرب الناس، إلى أن جاءت السُّوَيعة التي أخذ فيها خالي عهد يخبرني، عن رحلةٍ أعلمُ أنه قام بها إلى أحد مصايف لبنان، لكنني لم أكن أعلمُ كما أكمَلَ، أنه صادَفَ هناك طبيعةً فريدةً خلّابةً، فلم يجد من سبيلٍ للتعبير عن روعتها سوى دموعه، مسبِّحةً بعظَمَةِ الخَلق الإلهيّ، لم تكن حالتي التي انتابتني في أمسيتي الربيعيّة غريبةً إذن، إنما هي موجودة، وإن لم تكن مألوفة، على الأقلّ موجودة لدينا نحن الاثنين، أنا وخالي عهد، الذي يبدو أنه لم ينسَ قبل رحيلِه عن عالمِنا أن يُوَرّثَني رهافتَه.