عندما يموج البحر ويبحث عن أزرقه ...

العدد: 
9185
التاريخ: 
الأحد, 9 أيلول, 2018
الكاتب: 
سلمى حلوم

مــــــدٌّ وجــــذرٌ من الأكوان على شواطئ «تفاحتي وقد سرقتها»

ما بين التفاحة الأولى وما تلاها من مواسمٍ للزمن . . كانت كل الأسئلة التي ملأت زرقة السماء، وفاضت وتجاوزت بعَدِّها قبلات الأمواج، تكرر بكل عناقٍ تلك الاستفهامات علَّ من مجيب!  لتبقى تلك الحيرة تفترش شمساً سطعت تارةً وخبَتْ تاراتٍ عديدة ومديدة . . وما زلنا مع الحياة نسير نحن ووراءنا وأمامنا كل العجبْ . . كيف، وأين، ولماذا كانت الحكاية الأولى التي توالدت ببشرية شرهتْ بأكل التفاح وأُتخمتْ حدَّ الوجع، لتتقيأ  مأساتها تحت زرقةٍ . . ولنكون جميعاً سبايا تلك التفاحة .  
في هدأة للروح . . وقف البعض يرسم على استكانةٍ، ماضياً وحاضراً يوشم جلَّ ملامحنا . . مناجاتنا. . رؤانا الضبابية وظلالٌ مواربة من حبّ وشغف ولوم وعتب يدفع بكل قواه ليُنير شمساً تجهد لتصنع شال صبحٍ لخطوات ما زالتْ تؤمن بأن تسيرْ . .
عند بحرٍ يبحث عن أزرقه سرقتْ رماح بوبو تفاحتها، وبدّلتْ طعمها حبر خاض على الأحلام متاهات من السطور تفيض بالأسئلة والأجوبة لحواءٍ سورية كانت، وما زالتْ تستندُ على أريكة زنوبيا وعشتار . . 


(تفاحتي وقد سرقتها)، (والبحر يبحث عن أزرقه) هما الإصداران الشعريان للمهندسة الشاعرة رماح بوبو، في قطعٍ متوسط، يقع كل منهما في حوالي ال 200 صفحة، الإصدار الشعري (والبحر يبحث عن أزرقه) نختار مما تقول رماح بوبو في مقطع من بعض قصائده: 
كنقر المطر 
على صاج الشرفة الخلفية للروح 
وقعُ حَصاك 
وأنا والقط خلف النافذة تبادلنا الأدوار 
أنا . . أنتظر توقف المطر 
وهو يأمل امتلاء البحرةِ بالماء 
لتسبح فوقها . . 
زهرة نيلوفر . . بيضاء!.
  أما (تفاحتي وقد سرقتها) من منشورات وزارة الثقافة -الهيئة العامة للكتاب، يتخلله العديد من النصوص القصيرة ووالمتوسطة تحمل عناوين شتى، أغلب عنواينها من كلمة و احدة، ك «العروس، جنون، شقاوة، تردّد، تحدي . . . الخ «قدمت له م. الشاعرة بوبو قائلةً: «ولأنني منذ الطفولة أحب الشعر . . وأقرأ الأشياء والأحداث بعيني شاعر ولأنني، رغم كل هذا الحب أهملته . . لكنه ظل ينمو ويورق في صدري سراً . . حتى صار غابة وكانهيار جدار سد . . ما إن عدت إليه بهدف التنفس . . حتى وجدته يتدفق بغزارة . . وهكذا . . بين منتصفي عامي 2015 و 2016 صار عندي  «تفاحتي هذه». 
كما تضيف قائلة:
« لا ياجدتي . . 
سأسلك الطّريق الطّويل رغم الذّئب. . ولن أُفوّت وردة. 
والتّفاحة على التخوم
 تغويني . . وسأسرقها رغم النّواطير، وهذا ما حصل. 
«تفاحتي وقد سرقتُها» ديواني الأول، يبصر النّور أخيراً. . جزيل الشكر لكل من ساعدني في خطوتي الأولى. . رغم أننا هرِمنا. . أحبتي . .لكم تفاحتي عساها تحلو لذائقتكم».
رماح بوبو.. مواليد اللاذقية 1966 مهندسة ميكانيك تعمل في مدرسة التعليم المهني باللاذقية، نشرت في العديد من الجرائد والصحف المحلية والعربية والعديد من المواقع الألكترونية.
 * ولأن الشعر رماح به نقاوم سلطة الحياة والزمن، نستعير بسطاً من علي بابا لنعلو فوق السماء، نحاول أن نرى الحقيقة وإن لم يكن كلها  فجلّها، وإن لم يكن، فبعضها وإن لمْ يكن، علّنا نجد أنفسنا نحن عند غيمة .. لهذا كان لا بدّ لنا من حوار عن هذين الإصدارين ... وما تخطّه المرأة السورية رماح بوبو على جدران الشعر: 
* من يسبق ليلاقي الأول، الشاعر أم الشعر؟
** الشعر يغافل الشاعر في زوايا مفاجئة. . يرابط له في دروب لا تخطر على بال. . حتى يلفت انتباهه ويجره إلى عرس الكلمات.
* الشعر روح ومرآة . . كيف تعكس الكلمات صداها، وصورتها؟
** لأن الكلمات زنابق نبتت في طين الروح. . وحصى رماها فيضان المشاعر إلى ضفاف القول. . لا بد لها أن تحمل من قائلها ملامح ذاته . .هي ليست بالضبط ذات الشاعر و إنما هي تفاعلاته مع الكون المحيط به من طبيعة وحياة بشرية
* صوت المرأة صوت ضبابي ضعيف عبر العصور. . عندما تكون المرأة شاعرة كيف تصيغ الكون؟
** ليس بالضرورة عبر العصور. . فالعصر الحديث بتحامله على المرأة سعى لطمس تاريخها الأسبق والذي أجزم من خلال القليل المتسرب منه أنه كان صوتاً فاعلاً . .قوياً و متميزاً . . أما حول كيف تصيغ الكون. . فما إن تخلص لذاتها فتكتب بجرأة عن كل ما يلامسها. . جسداً و معاناة وأحلاماً . . ما إن تستخدم قوتها البيولوجية بالشعر فستصيغ الكون الحقيقي . . لأنّ هذا الكون البائس الذي يعبر عنه صوت واحد مقلّد بأصوات كثيرة ذكورية ونسوية . . تحتاج المرأة لخطابها الخاص والذي لم تنجح بالوصول إليه بعد.
* غلبت الصور الحزينة على أغلب النتاج الأدبي في سورية، كيف عبر الشعر عن هذه المحن وكيف؟
** بالتأكيد ستغلب الصور الحزينة . . فأين المفر من ويلات حرب قضمت حياتنا و شلّعت نوافذ الروح ثم أودتنا في مهاوي التهلكة بكل مافيها من  سواد . . . لا مفر من ذلك أبداً مهما حاولنا
* كيف تطرح رماح بوبو نفسها على سطور؟ وماذا تريد أن تقول؟ 
** أطرح نفسي كصوت من الأصوات التي أنطقتها الحرب . . كنت أعتبر الشعر هوايتي الخاصة، حلمت بالنشر ولكن دون سعيي حقيقي . . حتى اعترانا هدا الهول . . بدأت أنشر بمواقع التواصل الاجتماعي فاكتشفت كم هم الناس مرهفون وتوّاقون للبوح والإصغاء لمن يعبر عما اعتراهم من أوجاع وما يخالجهم من أحلام . . كنت أشعر حقاً بصدى كلماتي في نفوسهم . . و بتفاعلهم الصادق فأحببت أن يكون الشعر وسيلتي في مقارعة هذه الحرب المتوحشة. .
* آدم أكل التفاحة الأولى .. كيف تتشكل الحياة عندما تسرق حواء تفاحتها؟
** حين تسرق حواء تفاحتها . . ستشعر بثقةٍ أكبر بينما تستمتع بعصارة تفاحةٍ حلمت بها فقطفتها غير مبالية بمن يتهمها بقصر القامة، ستكون أكثر استعداداً لتحمل الهجوم الذي قد يُشن عليها من دعاة تهميشها ونقص عقلها. . وبقناعة وقوة الفاعل الحق لا المغرر به ستتحمل عواقب فعلتها، ستزرع بذور تفاحتها في الأرض  وتسعى لنشر صوتها الأمومي في الكون . . ستعزف للحب ولعطاء وتهشم طبول الحرب الجوفاء . .المرأة صوت الإله العادل المحب. . ولذا يتوجب الإصغاء لها.
صفحة إبداعات تأمل للمهندسة الشاعرة رماح بوبو التوفيق والنجاح فيما تأمل، نحو مزيد من الشعر علّه يمحو بعض النّوَبْ . .وسنتوقف في هذا العدد مع قصيدة بعنوان: (أنا و . . أمي)  من إصدراها الشعري «تفاحتي وقد سرقتها».
 

 

الفئة: