وقال البحر ... نزيف الكرامة

العدد: 
9184
التاريخ: 
الخميس, 6 أيلول, 2018
الكاتب: 
شروق ضاهر

لا أدري كيف تدخلت يد القدر أثناء مشاهدتي التلفاز وتسلّطت أصابعها على جهاز التحكّم لتنقلني من متابعة قناة إخبارية إلى إحدى القنوات (الدينية) استوقفني موضوع المادة المذاعة، استحضار جنّي تمّ طرده سابقاً من جسد أحد الأشخاص واستدعاؤه إلى الاستوديو على الهواء مباشرة! 
مذيع البرنامج يرتدي ربطة عنق يتناسب لونها مع لون طرف المنديل المشرئب من جيب سترته الفاخرة، ويقدم للمشاهدين ضيفه الجالس أمامه على أنه شيخٌ عالمٌ جليل مختص في الروحانيات وطرد الجان واستحضارهم، الاستوديو فاره التجهيز إلى درجة البذخ وعلى هامش شاشة العرض تتابع تغريدات المتواصلين مع البرنامج عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة التي سخّر الله علماء الغرب الكفرة لابتكارها كي يُتاح لجماهير المؤمنين في الشرق التواصل مع عالِمهم الجليل من خلالها.
ابتدأ العالمُ مداخلته بالبسملة والحمد والشكر محاولاً أن يتصنّع ابتسامة السماحة على وجهه الذي تدل عيناه الجاحظتان الحمراوان بشكل قطعي أنه ليس عالماً بالروحانيات فحسب بل هو عالمٌ بالمشروبات الروحية بمختلف أصنافها!
قامت جهة الإخراج بعرض مقطع مرئي يظهر فيه الشيخ وهو يطرد الجني القرين المتلبس في أحد الأشخاص، هو مشهدٌ أضحى مألوفاً لدى الجميع ينتفض فيه الشخص المربوط إلى السرير وتنقلب عيناه ويبدأ الجني المزعوم داخله التكلم بلغة غريبة وصوت أجشّ، ثم يصرخ بشدة هارباً من الجسد الذي كان يسكنه مولياً الأدبار لا يلوي على شيء.
يبدو أن هذا المشهد صار رتيباً مكرراً أو مملاً بالتالي يتوجب على الشيخ العالم أن يجترح الجديد ويبتكر المدهش، سيقوم هذه المرة باستدعاء نفس الجني واستحضاره من عالمه على الهواء مباشرة... تناول هاتفه الخلوي وقام بفتحه ثم بدأ يتمتم بكلمات غريبة بينما بدت علامات الحذر والترقّب على وجه المذيع الذي انتفض مذعوراً عندما رفع الجنّي سمّاعة هاتفه مبادراً بكلمة آلوووو...! لتبدأ المحادثة الهاتفية بين الشيخ والجنّي – ماذا تريد مني بعد؟ ألا يكفيك طردي؟
أخبرني ما هو دينك؟  - أنا يهودي– عليك أن تُسلم من فورك انطق الشهادة، انطق الشهادة.
بدأ الجنّي يتلوى من الضرب على الطرف الآخر من خط الهاتف وأخذ يصرخ: لن أفعل، لن أفعل، ردّ الشيخ صارخاً: قل أشهدووو... قل أشهدووو، ظلّ يكرّرها حتى ضاق به الجنّي ذرعاً من كثرة تكرارها فنطق صارخاً بالشهادتين وأقفل السماعة!
قام المصوّر بتقريب صورة وجه الشيخ الشيطاني حتى ملأ وجهه الشاشة وقد اغرورقت كرتا عينيه بالدموع بينما تهدّج صوته: الحمد لله على نعمة إسلام الجنّي...!
كل ما أتذكره أنني كنت متسمّرة، واجمة، مذهولة، أمام شاشة التلفاز من سخافة ما رأيت لكن ما زاد وجومي وذهولي تغريدات المشاهدين التي تلت نحيب الشيخ وجنّيه تطلب البركة والدعاء من سماحته!
هذا المشهد لو أنني قصصته على طفلي قبل نومه لأصيب بنوبة من الضحك ستكلفني ساعات من العمل في تنظيف فراشه المبلل بعدها.
هل يُعقل أن تُدفع الأموال الباهظة لفتح فضائيات مجهّزة بأحدث تقنيات الصوت والصورة والتواصل من أجل بثّ سخافات لا ترقى حتى إلى مستوى الخرافات؟
وهل يُعقل أن تجني تلك الفضائيات أموالاً باهظة نتيجة تواصل المشاهدين معها؟ إلى متى سيستمر نزيف المال والعقل في المجتمع العربي؟
عُدت بجهاز التحكم إلى قناة (الحرّة) الأمريكية، كان أحد من يُسمّوَن (بالمعارضين السوريين) يرسل تحية إجلال وإكرام إلى روح الصامد الشجاع الأصيل السيناتور (جون ماكين)!! في مشهدٍ مطابقٍ لمشهد الشيخ والجني من حيث السخافة مع فارق أن النزيف هنا... نزيف كرامة.