الفـــن.. لغــــة حضــــارية شــــاملة

العدد: 
9184
التاريخ: 
الخميس, 6 أيلول, 2018
الكاتب: 
بسّام نوفل هيفا

عن الفن بشكل مقتضب وبخصوص أحد أعمالي المخطوطة التي قمت بإعدادها وترجمتها، في كلمة عنها، كان قد دبجها وسطرها يراع أستاذي المربّي الأديب رشيد شخيص، جاء قوله بداية : إنّها مجموعة فريدة من مظاهر النشاط الإبداعي . .
الفن علمياً أحد نشاطات المادة عالية التنظيم في  الدماغ البشري مثله مثل الذكاء والإرادة والذاكرة والمقدرة على التخيل والتجسيم . . لكن الفن مستقل بنوعيته . . مرتبط ببقية الأنشطة العقلية ارتباطاً عضوياً . . تماماُ كما هو  مرتبط بمكونات الإنسان وعناصر البيئة عن طريق الحواس مستخدماً المواد التي تؤثر في الحواس كالشكل واللون بالنسبة لحاسة البصر، والصوت والنغم كحاسة السمع، هذه المواد، الكلمة، الصوت، النغم، الشكل، التكوين، الخطوط، الألوان ما هي إلاّ رسل الحضارة والتقدم والفكر بين بني البشر في كل زمان وفي كل مكان .
وتطرّق إلى موضوع الفكر الإنساني فقال :إذا كان الفكر الإنساني يمتد عبر ثلاثة مستويات منها التفكير التشخيص والتفكير العام الشمولي، والتفكر التجريدي، فالعلاقة القائمة بين المستويات الثلاثة علاقة جدلية لأن التجريد في اختزال بسيط هو انتزاع صفة مشتركة بين مجموعة الموجودات وبين تكوين صورة عنها في الذهن، وترجمة ذلك إلى تفكير بالصورة المدركة المنتزعة من المشخصات المحيطة بنا كالصور الذهنية المرتسمة عن الرجولة،الأمومة، الطفولة، النقاء، الذكاء، النبوغ و الإبداع . . إلخ .
وتابع  القول : إنّ الأعمال الفنية الخالدة لا تقيّم بقدر ما تتطابق  مع الطبيعة، إنما لأجل ما تحمله في تكوينها وفي علاقاتها الشكلية واللونية . . من قيم معنوية وفكرية ونفسية وإنسانية شاملة . 
اللوحة ما هي إلا سطح ذو بعدين تتوضع عليها مجموعة من المساحات اللونية مكوّنة علاقات قد تستمد من الطبيعة كأشكال النبات والحيوان والإنسان فهذا التفكير التشخيصي، ولا تدخل هذه اللوحة ومثيلاتها في مضمار الفن التشكيلي ما لم يسقط عليها الفنان قيماً معنوية وإبداعية وذاتيه مدركة .
يقول ليونارد دي دافنشي : (ينتهي العمل الفني عندما لا يشعر الإنسان بضرورة متابعته ).
 أمّا ميكائيل أنجلو، فقد تخلى عن الجانب الحرفي والتناسب التشريحي في أعماله الأخيرة بحيث أخضع الشكل الإنساني للقيمة التشكيلية المتطورة .
أمّا الرسام كارافاجيو، فقد لخّص لغة الشكل واللون بقوله (باستطاعتنا إسقاط إحساساتنا القدسية على تفاحة . .) أي أن لغة الشكل واللون في ذاتها تؤدي المضمون لا الموضوع الأدبي ولا المطابقة الحرفية للأشكال.
وعن اللغة التشكيلية الحديثة والفنان الحقيقي قال شخيص : لقد برزت اللغة التشكيلية الحديثة المعتمدة على البقعة في ذاتها شكلاً ولوناً وإحساساً وتفرّداً، لما تعطيه من إمكانات أوسع في مجال  التعبير بحرّية عبر تصميم الفنان وإبداعه بعد استبعاد عناصر الإيهام والمنظور الخطي والهوائي.
الفنان الحقيقي إذن ليس من يحوّل قرص الشمس في اللوحة إلى بقعة صفراء والوردة الناضرة الى بقعة حمراء وإنما الفنان الحقيقي من يجعل البقعة الصفراء تتوهج كالشمس الذهبية، ويعطي البقعة الحمراء نضارة الوردة أو حرارة الدم وذلك من خلال العلاقات المبنية على اللوحة ليوصلنا من خلال ذلك إلى رؤية أكثر عمقاً وشمولية .
واختتم الفنان شخيص كلمته بالقول : إنّ الوظيفة الاجتماعية الأساسية للفن هي تنمية الإدراك الحسّيّ لدى الجماهير وتصعيد حدّته . . وتحريض الحسّ الإبداعي وإيقاظ الأحاسيس الإيجابية الغافية تحت وطأة الهموم ومتاعب الحياة اليومية . . إنَّها بحق كالتربية والثقافة التي تعد الحاجة العليا للمجتمع . . إنك يا صديقي تعمل دون كلل أو ملل بمثابرة ومتابعة وعرضٍ وتحليل وتوثيق يحمل بين جوانبه النقد والتوجيه لا تدرك نتائجه إلاّ على المدى البعيد . . وهذا ما قمت به فعلاً من جهد مشكور في كتابك القيّم الذي يعد ذخراً وكنزاً ثميناً يُهدى لمجتمعنا الذي يحثُّ الخطى في سبيل التقدم والحضارة، وذلك لما يحتويه الكتاب بين دفتيه من عناصر التوثيق والتحقيق والعرض والتأريخ الفني التشكيلي .
 

 

الفئة: