عندما يموت الفقراء ..

العدد: 
9183
التاريخ: 
الأربعاء, 5 أيلول, 2018
الكاتب: 
ميساء رزق

 استيقظت على رنين جرس الهاتف الأرضي.. راعها زعيقه في هذه الساعة المبكرة من الصباح .. رفعت السماعة بيد مرتجفة.. جاءها صوته اللاهث المستجدي بقولة : لقد توفيت والدتي وأنا لاحول لي ولا قوة وأريد مساعدتكم بمال يستر والدتي لدفنها وواجب عزائها ..
 أغلقت الخط مصدومة باكية مستذكرة سنيناً مضت والتواصل مقطوع مع متوفاة كانت فرداً من العائلة باعدتهم الحياة بظروف كان من الممكن تجاوزها بقليل من التنازل وكثير من الحب والرحمة .. حيرة ما عادت  تنفع فالقدر قال كلمته وتابع مسيره المحتوم ..
 استفاقت من شرودها وكفكفت دموعها وبدأت تجري اتصالاتها بأبنائها تعلمهم بوفاة عمتهم .
 لملموا ذكرياتهم المتناثرة نتفاً من الماضي وفي أعينهم خيالات ابتسامتها الحزينة المرسومة على وجهها الأسمر الذي لم تستطع المعاناة والمرارة والفقد المبكر للزوج والابنة أن تخفي جماله الهادىء .. أجل لملموا ذكرياتهم وما استطاعوا من مال وقصدوا ابن عمتهم يلبون حاجته ويسدّون ثغرة من فقر يندى به جبين من عرفهم يوماً وغابوا عن بالهم بقصد أو غير قصد، متناسين أن للفقير عفة تزن مالهم وثرواتهم ..
 ما ذنب الفقراء أن تنساهم السعادة وأن يسلاهم البشر؟
 ما ذنب الفقراء أن يعيشوا تكملة عدد بدون أن يحصلوا حتى على ثمن كفن يواروا به الثرى ؟
 أناس يعبرون من أمامنا بوجوه حزينة وخطى وئيدة تكاد أرجلهم لا تحملهم !..
ألا تعلمون أن هؤلاء الفقراء هم أحباب الله وبموتهم تبكي الملائكة ؟! عندما يموت الفقراء تفتح السماء أبوابها مستقبلة قائلة : هلموا انفضوا عنكم غبار الحياة الدنيا،وارموا وراءكم أناس غفلوا عنكم وتجاهلوكم، وتعالوا اهنؤوا بجنان خلد تعوضكم ما حرمتم منه !..
عندما يموت الفقراء يخجل المقصرون بحقهم ويدركون متأخرين أن الوقت فات للتعويض والحسرة لا تكفي للتفكير عن ذنب عدم مساعدتهم ...
 عندما يموت الفقراء تبدأ حياتهم من جديد ...