عين على الاقتصاد...فلنأكل مما نصنع ..

العدد: 
9183
التاريخ: 
الأربعاء, 5 أيلول, 2018
الكاتب: 
نعمان أصلان

في الوقت الذي نجح فيه فلاحنا في تحويل الخطط الحكومية المتعلقة بالقطاع الزراعي إلى وقائع مكنتنا من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الكثير من المنتجات الزراعية التي كنا ندفع بالعملة الصعبة لاستيرادها ونقلتنا من القلة في بعض أنواع هذه المنتجات إلى الأزمات التسويقية التي باتت في بعض أنواع المحاصيل كالحمضيات في الساحل السوري مثلاً  مزمنة و متكررة.
فإن غياب الرؤية الاستراتيجية وعدم وجود التكامل المطلوب ما بين العملية الزراعية والعمليتين التسويقية والتصنيفية قد حول هذا النجاح الإنتاجي من نعمة كما يجب أن تكون إلى معاناة حقيقية اضطر معها الفلاح وعند المفاضلة ما بين الخسائر التي يمكن أن يتكبدها في حال سوّق إنتاجه بما يتطلبه ذلك من تكاليف قطاف وتعبئة ونقل والتي تضاف إلى تكاليف الإنتاج الزراعي/حراثة وأسمدة وبذار . . أو تلك التي يمكن أن يقع فيها في حال ترك هذا الإنتاج في أرضه دون قطاف كما حصل للحمضيات لمواسم عديدة أو للتفاح والبطاطا والخوخ وغير ذلك من المحاصيل هذا العام اضطر إلى ترك هذا الإنتاج دون قطاف بما لهذا الخيار من انعكاسات سلبية على معيشته خصوصاً إذا علمنا أن العمل الزراعي وإنتاجه يشكل المصدر الأساسي لرزق هذا الفلاح وأسرته.
ذلك الخيار المرّ الذي كثيراً ما لجأ الفلاح إليه وأوقعه في الخسارة دون أن نقلل هنا من أهمية بعض الخطوات الحكومية التي اتخذت هنا وهناك ولهذا الموسم أو ذاك، للتقليل من آثار هذا الأمر على الفلاح سواء من خلال تدخل السورية للتجارة لاستلام كميات من إنتاج بعض المحاصيل كما حصل للحمضيات والبطاطا والتفاح ورغم الملاحظات التي شابت العمل في هذا الاتجاه في بعض الأحيان أو من خلال التعويضات التي تمنح في حال حصول الضرر نتيجة للظروف الجوية وذلك من خلال الصناديق المتخصصة والتي تصب في مجموعها ضمن إطار التخفيف من حدة الأزمة وليس حلها حلاً جذرياً.
تلك الخطوات التي تبقى قاصرة عن المعالجة المطلوبة للمشكلة إن لم تتكامل مع خطوات أخرى في مجال التصنيع الزراعي الذي لا يزال قاصراً عن مجاراة الإنتاج الزراعي وذلك رغم توفر كل مقوماته إن كان لجهة توفر المنتج الزراعي المناسب أو وجود الأسواق التي يمكن تصديره إليها بالاستفادة من السمعة الجيدة للمنتج الغذائي السوري في الأسواق الخارجية أو حتى لتلبية احتياجات السوق المحلية ذاتها في الفترات التي يغيب فيها المنتج عن الأسواق /الكونسروة، المربيات../ تلك الفترات التي نجد فيها الكثير من منتجات الدول المجاورة أو المنافسة لنا في أسواقنا، بما يعنيه ذلك من أثمان اقتصادية ليس أقلها القطع الأجنبي الذي يدفع لاستيرادها أو حرماننا من القيم المضافة الكبيرة التي يمكن أن نحققها جراء التصنيع والتي تضاف إلى الآثار السلبية التي تقع على الفلاح المنتج وأيضاً على المستهلك المحلي الذي يضطر لدفع أثمان تصنيع إنتاجنا محلياً دون أن نغفل في هذا الجانب حرماننا من القطع الذي يمكن أن نحصل عليه فيما لو صدّرنا تلك المنتجات مصنعة.
وفيما تبدو هذه الثغرة الحاصلة ما بين الزراعة والتصنيع الزراعي واضحة و جلية فإن استمرارها يدعو للاستغراب والتساؤل لاسيما أن تشخيص الأمر قدم من الكثير من المختصين ومن المعنيين دون أن يعطي الدواء الشافي له حتى الآن وذلك لأسباب نتمنى تجاوزها حرصاً على منتجنا ومستهلكنا واقتصادنا الوطني بشكل عام الذي لا ندري إن كان تأخير إقامة مصنع للعصائر يمتص فائض إنتاج حمضيات الساحل والذي يتم الحديث عنه منذ عقود أو إيقاف بعض المعامل العامة التي تعمل في مجال التصنيع الزراعي ومنها معمل كونسرة جبلة أو ضآلة تدخل القطاع الخاص في مجال إقامة المنشآت العاملة في هذا المجال وإقباله على الصناعات والنشاطات الاستهلاكية التي تحقق الربح السريع تصب في صالحهم جميعاً.
وأمام هذا الوضع ولتجاوز الخسارة التي يتكبدها فلاحنا ولزيادة القيمة المضافة التي يحققها الإنتاج الزراعي فإننا مدعوون اليوم إلى الأخذ بناحية التصنيع الزراعي كأحد أهم أنواع العلاج لأزماتنا التسويقية في القطاع الزراعي تلك الناحية التي لا يمكن أن نمتلكها إلا من خلال توطين وحدات التصنيع الزراعي قرب مراكز الإنتاج وإدخال التكنولوجيا المتطورة إلى تلك الوحدات للحصول على إنتاج ذو مواصفات عالمية وسعر مناسب ومنافس في الأسواق المحلية والخارجية وهي الأمور التي يجب أن تترافق مع حوافز وتسهيلات حكومية إجرائية وتمويلية مناسبة والتي يجب أن تتكامل فيها أدوار  القطاع العام مع الخاص وذلك حتى يتحقق للجميع الربح وحتى لا نأكل فقط مما نزرع بل مما نصنع، وهو أمر لا يمكن أن يتم بالنوايا وحسب بل بالخطط والبرامج التي نأمل أن نجدها على أجنداتنا في أقرب وقت ممكن.
 

الفئة: