بين الشط والجبل....غياب الآخر

العدد: 
9183
التاريخ: 
الأربعاء, 5 أيلول, 2018
الكاتب: 
سيف الدين راعي

- في غفلة من العمر وحين تزخم الهواجس هواجسها، يبعثر الحزن مفردات على أزقة مدينة الذاكرة، فتنداح أمسيات الشوق في عربات قطار الوقت متأبطة حقائب من سفر وغربة وقهر.
هناك حيث تؤول تفاصيل الفرح إلى انطفاء وترى كل وجه يمطرك غربة، فتلوذ متدثراً بقصائد كانت تلون أهداب المطر.
- تغتالني الآن غربتي وأنا الذي يعرف أن الوحدة إنما هي جحيم يطوقني يلبسني رداء من شرر يكويني بحرقته، فتذكرت كلاماً للأديب الكبير روجيه غارودي يقول: الجحيم هو غياب الآخر، أو انغلاق الآخر، حيث يولد الإنسان وهو مسكون بالآخر والآخرين، ورأيتني أسأل: كيف غادرني كل أولئك الذين أسكنتهم عمري؟ وأين أين تكمن العلّة؟
- عمري عمر معفر بالأسى، وحزني ما يزال عابراً مدارجه وأنا من حيث أدري ولا أدري مضيت في مؤاخاته وذاك منذ أن تبرعم، حتى شب وأنبع إلا أنه هو لم يعرف الكهولة، ولم يمر بها رغم كهولتي وشيبي، وحين أردت أن أطبع صورة لماضيه تمثل لي في بعض الأحايين كأنه فرح ما، أو كأنني فقدت شخصاً عزيزاً لتوي فتذكرت قولاً قيل قديماً: تستطيع دموع البشر أن تدير طواحين العالم كلها لكنها عاجزة أن تدير طاحونة واحدة للفرح..
- طويلاً انتظرتك، ولقد تاقت نفسي إلى بعض الضحك بعد أن انقطع كل حبل لي معه، إن سحب الحزن المكتظة بالعواصف والبروق والرعود والرياح إنما هي سحب سوداء وثقيلة وإن علي وبعد بلوغي السبعين أن أبادرها بالهزء وبالسخرية من أحابيلها ليقيني انني ومن كثرة ما نالني من صروفها رأيت نفسي وكأنني أحوم فوق أعالي جبالها، ومن يحوم فوق الأعالي إنما عليه أن يستهزئ بكل ما هو دون ذلك.
- يقول نيتشيه: ومن الناس من يدب الهرم إلى قلوبهم أولاً، ومنهم من يدب الهرم إلى عقولهم ومنهم من يشيخون في ربيع الحياة، غير أن من يبلغ الشباب متأخراً يحتفظ بشبابه أمداً طويلاً.
لا أدري ما الذي جعلني أتوهم بأنني صرت خفيفاً ولا وزن لي دخيل إليّ إنما أنا طير وأن قوة ما ترقص في داخلي وقد قيل قديماً: تستطيع التقرب من الله بالرقص.
- شكوت انخفاض ضغط دمي الأصغري إلى طبيبي فقال لي: لا تهتم . . الصغير لا قيمة له حيثما وجد.