هل الـ50ألف ليرة تكفي أن تكون العلاج الفعال لذوي الدخل المحدود؟

العدد: 
9183
التاريخ: 
الأربعاء, 5 أيلول, 2018
الكاتب: 
هدى علي سلوم

وكأنّ السّماء قد أمطرت وبلّلت ثيابهم، وهم يقفون على أبواب مجمع أفاميا، يتربصون خارجاً ويتأهبون لجولة أخرى ويلمّون بأنفاس عميقة ليشقوا دربهم ويغوصوا في يمّ من البشر، منشغلون باختيار أغراضهم وحاجياتهم التي ملأت السلال، وقد علت جباههم حبات ندى المشقة والازدحام، وغسلت بمائها الوجوه والأجساد رغم وجود هواء المكيفات، رابطي الجأش يقفون طوابير لا أرتال أمام صناديق الجباة، والفوضى تعم المكان حتى الأولاد قد شاركوا أهاليهم في السباق والتسابق على كسب الكمية الأكبر من الحوائج المدرسية والقرطاسية، التي وقع بعضها على الأرض ولا أحد يهتم، فالجميع في كر وفر. يا لشقاء هؤلاء الآباء الذين يواجهون الأهوال والمسؤوليات الجسام من خطب المدرسة والمونة ومصاريف باقي الشهر، والراتب السقيم يلفظ أنفاسه رغم العناية المشددة  مع كف اليد، ليأتي قرض ال50ألفاً سيروم حياة ونجاة، فيه العلاج السحري لذوي الدخل المحدود، ولكن غيرهم ليسوا بموظفين فماذا يفعلون، وكيف بأمرهم يتدبرون؟

 

هيهات لآباء غير موظفين الهزيمة_ مدخوله الشهري لا يسدّ الرمق ولا يقيه لسع نار المعاناة، فهو يعمل بالأرض ( اللي ما بتجيب همها في أيام عجاف جفاف)، كما يقول السيد عصام أحمد وزوجته بئينة ويتابع: خمسة أولاد في المدارس وجميعهم يلزمهم اللباس والقرطاسية كما باقي أولاد الناس، جئت إلى المجمع عندما سمعت بأن الأسعار رخيصة، ويمكننا الشراء ليس كما في الأسواق، حيث تفوق قدرتنا وتجعلنا ملومين محسورين من الأولاد.
يحبس أنفاسه ويزفرها بقوله: آه لو كنت موظفاً لكنت استفدت من القرض، وجلبت لأولادي كل ما يحتاجون، لكن الأمر لم يكن بيدي فقد تقدمت لمسابقات عديدة ولم أنل فرصة عمل فيها، مع أني خريج كلية الاقتصاد منذ أكثر من عشر سنوات، اشتغلت بالأرض التي ورثتها عن والدي رحمه الله وجاءت زوجتي لتحمل عني بعض الشقاء..


تقاطعه زوجته ( الحمد لله مستورة) وحاجات الأولاد مؤمنة بإذن الله فما ضاق على الكبير يأخذه الصغير ويلبسه، وما بقي من العام الماضي من لوازم المدرسة وحاجياتها يمكن أن يساند في (تمشاية الحال, ولا تاكل هم، المهم الصحة)
السيدة هناء وقفت جانباً مع طفلتها تنتظر أن يفرغ المكان لتدنو من عاملة الصندوق ويأتيها دور الحساب، أشارت لنا بأنها تعمل في مديرية الصحة وقد جاءت بورقة القرض، لتشتري لوازم أولادها الثلاثة من القرطاسية  وزادت عليها بعض حاجيات البيت الغذائية، وتقول إنّها لم تجد الفروق الكبيرة بالأسعار بين الأسواق الخارجية وصالة السورية التجارية، ولكنها جاءت وانتهى الأمر ولا تريد العودة للأسواق والبحث والتفتيش ومعها الأولاد.
معظم من التقيتهم في المجمع هم من سلك التربية_ رهام أم لثلاثة أولاد ترد بقولها على سؤالنا بما أنتجه قرضها؟ اشتريت بعض حوائج الأولاد للمدارس، والقسم الأكبر منه جاء للمنظفات والغذائيات، ولا أجد فروقاً عن الأسواق، لكنه القرض الذي يسهل الأمور ويفك شيفرة سيمفونية الحياة، لنعيش بنغم وانسجام مع الأولاد والمعاش، فالقسط بسيط خمسة آلاف ليرة في الشهر بلا فوائد مثل الجمعيات مع الأصحاب وزملاء العمل.
وكأنه الجشع والاحتكار تأبّط الصالة _ما لفت الانتباه ودفعنا إليه مسرعين لسؤاله: سلتك تفيض بالمشتريات، وتلقي بزبدها كل حين،لما كل هذه الغذائيات؟ ما حاجتك لها؟ هل ستفتح بها دكاناً؟
يحمرّ وجهه ويخضر وينطق بالأمر، بعد أن يرسم ابتسامته العريضة على الوجه، لا يا بنت الحلال (شو دكان)، إنها للبيت والأولاد (ما يكتر عليهم شي)، ولكن ما حاجتك للعشرات من علب الشاي والقهوة والسمنة والزيت والكونسروة و. .؟ فيرد نلت قرضاً وقلت أشتري به مونة البيت .


السيدة ازدهار هبرة_ المحاسبة في مجمع أفاميا فرع المؤسسة السورية للتجارة، أشارت إلينا بعض ما تحمله ورقة القرض وكيفية جلبها والأقساط المجزية فقالت:
نعطي من يأتي إلينا( السورية التجارية) ورقة تعهد ليحملها إلى محاسب الشركة أو المؤسسة التي يعمل بها، يوقعها ويختمها ويعود بها إلينا بعد أن يسجل عليها مقدار المبلغ الذي يريده . والذي يبدأ ب15 ألف ليرة سورية وينتهي ب50ألفاً لا أكثر هي القيمة الأعلى لسقف القرض، تقسط شهرياً بلا فوائد على عشرة أشهر، وأكدت على أن هذه العجقة والبلبلة لم تصب الصالة مثل هذه الأيام، فالموظفون يبقون إلى ما بعد الثانية عشرة منتصف الليل .
وفي تجوالنا وسعينا لمعرفة الأسعار، جئنا بالأرقام التي سجلت على القرطاسية ليكون عملنا بثقة وأمان نذكر بعضها:
قلم حبر ولادي رينولوز 200 ليرة، قلم ناشف كباس 100ليرة، قلم توديزليكسي 55 ليرة، قلم فوسفوري110 ليرات، صمغ صيني ملون 90 ليرة، كيس أدوات هندسية 600 ليرة، مطرة ماء معدنية700 ليرة، علبة تلوين باستيل شمع 130 ليرة، علبة تلوين مائي 300 ليرة، علبة تلوين خشب دانا قصيرة 12 لوناً 200 ليرة، مسطرة شفافة 20 سم ب75 ليرة، دزينة أقلام رصاص 450 ليرة، ومقلمة دانا 1000 ليرة، دفتر بلاستيك 140 ورقة 500 ليرة، دفتر لغة بلاستيك وسط 70 ورقة 175 ليرة، دفتر فني 150 ورقة 580 ليرة، أما الشناتي تبدأ أسعارها ( على دونا مين قال أنا) 1200 ليرة  وينادى على أعلاها 5800 ليرة .. أليست بأفضل حال من الأسواق؟ أم أن السوق يأتي بالنوعية الأفضل من المنتج؟
نبتعد عن الضجة والعجقة ونبغي الطابق العلوي الثاني من المجمع نبغي بعض الهدوء، فكان لنا ما نرجوه ولفت نظرنا وجود مراويل زرقاء وقمصان زهرية والكثير من رداء البنطال الكحلي الواجب للمدارس، وما أدهشنا لا وجود لسائل أو شارٍ غير سيدة تقوم بتجريب مريول لابنتها وتسأل عن الأسعار، وكانت أن ردت عليها الموظفة الساكنة في القسم: المريول ب600 ليرة والقميص 700 ليرة والبنطال بألف ليرة فقط.. أليس في ذلك إحسان يدعوك لتشكر الحكومة التي تمد يدها لمساعدة المحتاجين والمعوزين من المساكين الذي جار عليهم الزمن ليكونوا فقراء تجوز لهم الصدقة وما أكثرهم.

وحتى لا نكون بعيدين ونبدأ بأنفسنا ونسأل المحاسب في جريدتنا العزيزة كم شخصاً تقدم إليك بطلب قرض القرطاسية المدرسية؟ فيرد علينا السيد أحمد: لا أحد ..
الأسواق تضج بآباء يمسكون بأيادي أولادهم ومنهم من أمسك بأذيال لباس والدته، ويسعون معهم لتأمين حاجيات المدرسة من الدفاتر والأقلام والألوان ..
أبو أحمد يجر وراءه أربعة أولاد وأمهم، وقف ليشتري بعض الحلوى وأحد أولاده يومي له أن يشتري له الشيبس، لكنه يرفض ويتابع وضع كيس من الشوكولا وآخر من البسكويت وبعده النوغا . . في كيس كبير وكل منها ب200 ليرة ليدفع الألف ويتابعوا المسير، طرقات وأزقة عديدة جالوا فيها لشراء مستلزمات المدارس، استوقفناهم قليلاً ليقول : إنّه لا فرق إن أخذ قرضاً أم لا، فإنه دافعه اليوم أو بعد حين، ليس هدية أو منحة بل قرض يضنيه طوال سنة، ويضيق عيشه، كما أن السوق يجد فيه ما يريد، ألواناً وأشكالاً وبنوعية جيدة، وحتى الأسعار تكاد تطابق ما في السورية التجارية، ويضيف : الانطلاق في الأسواق والتجوال يشكل أحد المشاوير الهامة للأولاد ويمنحهم المتعة والسعادة، أو رحلة في عالم الاقتصاد والسياحة فلدينا السوق المقبي والقديم لنتعرف على ما تنبض به بلدنا من حياة وجمال.
 

 

الفئة: