وقـــال البحـــــر..دبور الضمير

العدد: 
9182
التاريخ: 
الثلاثاء, 4 أيلول, 2018
الكاتب: 
ناصر هلال

للوهلة الأولى ظننت . . وبعض الظن إثم أنّ استخدام عبارة / دبّور الضمير)، من قبل الأستاذ نعمان حميشة هي أقرب إلى الضبابية، أو الفنتازيات أو التحلاية التي تزين مائدة الكتابة وبجعلها أكثر اشتهاء، ولكن ما إن دققت النظر جيداً بالمعنى المقصود من وراء استخدام عبارة دبّور الضمير، حتى استغفرت الله من سوء الظن أو التقدير . . . ووقفت أمام هذه العبارة.. كما أقف عادة أمام العبارات التي تثيرني، أو توقظني أو تميط حجاب العتمة عن ذاكرتي، وتكشف أمامي الكثير من الأشياء التي كنت أظنها قد ترمدت أو غلفت بأكياس النسيان، وعلّقت على جدران الإهمال، أو أدخلت في قائمة الأشياء التي تؤخذ عن طريق التعوّد، والعدوى وطول الممارسة، من دون النظر إلى ما في داخلها من عيوب وتشوهات، إن لم تظهر في وقتها وحينها قد تظهر في وقت آخر، وبصور وأشكال مختلفة . .
ويمكنني أن أتجرأ وأقول: إنّ جزءاً مهماً من معاناتنا اليومية في أزمتنا الراهنة . . خاصة المعيشة منها وما يرتبط بها، من أطماع، و /كولكة/ واحمرار شهوة الارتزاق في العيون.. سببه غياب دبور الضمير . . ولا أظن إن ثمة مسافة أو مدى ما بين ماضي غابت فيه دبابير الضمائر عن القيام بواجباتها وحاضر تقتل فيه دبابير الضمائر كي لا تقوم بواجباتها، وطبعاً من غيب وقتل دبابير الضمائر هم الذين لا يملكون ضمائر البتة.. حسبهم اتباع قول: هي فرصة واجهتنا على عتبة البيت أو على بارد المستريح، فهل نرفضها، أو نضيعها؟
والفرصة طبعاً هي استغلال الظروف الراهنة التي يمر بها الوطن، بغضّ النظر عن الأسلوب والطريقة والكيفية المتبعة، المهم حصاد غلّة النتائج .
أنا أعرف أن رومانسية دبور الضمير، شردت بخيالي نحو واقع مثالي، أو افتراضي يكون فيه الضمير الذي يحمل/دبوراً/ يلسعه عندما يشدّ أو يخطئ، هو ضمير حيّ لا يمكن له التسبب بإيذاء الآخرين ولو أراد ولا يمكن له ممارسة الكذب والنفاق، ولو أراد، لأن الضمير عندما يكون محمياً ومراقباً وربما محروساً بدبور، لسعته واخذة كالإبر، ونافذة كالسم، لا خوف عليه من الشطط والسقوط في الممنوع والمحرّم، والمزيّن بحلاوة الإغراء وشهوة الامتلاك.. فلسعات دبور المير الموجعة ستجعله دائماً يعد على المئة، أو أكثر قبل ارتكاب أي خطأ مقصود أو متعمد أو يحمل مواصفات المؤجل الكشف أو الذي لم يكشف، كما حصل سابقاً ويحصل الآن مع بعض العاملين في مرافق الحكومة من مختلف الفئات أولئك الذين استطاعوا قتل دبور الضمير، ولكنهم لم يستطيعوا إخفاء جثته، التي ظلت ظاهرة على شكل قصور وفيلات ومزارع وصروح، تشير إليها أصابع حكمة الإمام عليّ القائلة: أبت الدراهم إلا أن تطل برأسها.
دبور الضمير . . . هذه العبارة الجديدة المفعمة بالمعاني والرموز والإشارات التي استخدمها الأستاذ /نعمان حميشة/ كتمهيد أو مقدمة للدخول في عالم /رواية الذباب الأزرق/ ونبش ما فيها من أحداث ومواقف تصلح لأن تكون مستقراً لضمير يقظ.
يملك من الدبور عدا وخزاته الموجعة، أزيز أجنحته المنبّهة، وحدة بصره الكاشفة ومن كانت هذه مواصفاته، وهذه نقاوته يعيش مقهوراً ومحروماً -كمحمود الخدوج- بطل الرواية.
وهنا السؤال الموجع والمحير والواقف كعلامة استفهام وتعجب، لماذا دائماً أصحاب الضمائر الحية، التي تعشش الدبابير بين جنباتها . . لماذا تدفع ضريبة نقاوة ونظافة ضمائرها، بينما أصحاب الضمائر الميتة . . ترقص على جثث دبابيرها، وتتنعم برفاهية وحلاوة العيش؟