بين الشط والجبل..آخر كتابات مي زيادة

العدد: 
9182
التاريخ: 
الثلاثاء, 4 أيلول, 2018
الكاتب: 
د. ريم هلال

لدى قراءتي في كتاب «ليالي إيزيس كوبيا»، متضمِّناً المخطوطَ الذي سَطَّرَتْه الأديبة مي زيادة، خلال ثلاثمئة ليلة وليلة في جحيم العصفوريَّة، والذي لم يُعثَر عليه إلا بعد سبعين عاماً، بجهود من سمَّى نفسه ياسين الأبيض وصديقته روز خليل، كم بدت ميّ مستأنسةً في أثناء وجودها هناك بحسب تعبيرها، بكتاب النحّاتة الفرنسيّة كاميل كلوديل، التي أُدخِلَتْ كما ميٍّ مشفى الأمراض العقليّة في بلدها فرنسا، برغم أنها كما ميٍّ في كامل قواها العقليّة، لمجرّد إصابتها كما ميٍّ بانهيارٍ عصبيّ، بفعل مرور كلٍّ منهما بظرفٍ قاسٍ لم تحتملاهما، ميٌّ إثرَ وفاة أمّها التي شكّلَت في حياتها حائطها الأخير، وكاميل إثرَ إخفاقها في علاقتها العاطفيّة المديدة مع النحّات الفرنسيّ رودان . . هذا الذي كم بدا لميٍّ هو الآخر، مشابهاً لابن عمّها جوزيف، من حيث تسبُّبُهما في إدخال كلٍّ من المبدعتَين مكانَها الخطأ، وإن تبايَنَ هذان الرجلان، في دور رودان غير المباشر في ذلك، ودور جوزيف المباشر، فجوزيف هو الذي أدخلَ ميّاً العصفوريّة بيده، طمعاً بثروتها من بعد ذهاب والدَيها، في حين أنَّ كاميل التي تأزّمَتْ من خلال رودان، دخلَتها بدفعٍ قسريٍّ من أُمّها وأخيها بول، مستبقيَين إيّاها هناك ثلاثين عاماً، أي بما لا يُقاس بالمدّة التي بقيَتْها ميّ . 
لقد وجدَت مي زيادة تطابقاً مُدهِشاً ما بين قصَّتها وقصَّة كاميل كلوديل، وتجلَّت أمامها واضحةً القواسم المشتركة فيما بينهما، متحدِّدةً في تلك التي ذُكِرَت آنفاً، إضافةً إلى تشابههما في الصورة، وفي رقَّة الأسلوب فيما تكتبان في أثناء إقامتَيهما القاسيتَين . . هذا إلى جانب قاسمٍ مشتركٍ أخير يمكن أن نضيفَه نحن، قاسمٍ لم يتسنَّ لميٍّ أن تفطن إليه، إذ بما أنها رحلَت قبل كاميل بعامَين، لم يُتَح لها أن تدرك أنَّ رحيل كاميل سيكون في تاريخ رحيلها ذاته في اليوم والشهر . . إنَّ كلتيهما رحلَتا في التاسع عشر من تشرين الأول أوكتوبر، لكنَّ مي زيادة عام 1941، وكاميل كلوديل عام 1943. إنَّ ما من أحدٍ هنا على الأرض أخبَرَ ميّاً أنَّ رحيلهما، كان في اليوم ذاته، في الشهر ذاته، ما بين هذا العام وذاك، إنما لا ندري ما إذا كان قد تكشَّفَ لها الأمر، هنالك في العالم الآخر .