أيـّتها الرّيح

العدد: 
9182
التاريخ: 
الثلاثاء, 4 أيلول, 2018
الكاتب: 
نعيم علي ميّا

أيتها الرّيح أنا لا أصلّي أبداً للاحتفاظ بأي شيء لي كي تجعليني أركع، فأنا لا أملك شيئاً لأركع لأجله، بل إنّي أعترف أنّ الحياة ريحٌ وصدٌّ، أخذ وعطاء، بل إنّها فوق هذا وذاك تقوم على تدوير العبارة لتدور الحياة معها وينغلق معها الخط الدائري لتكون متساوية البعد عن محورها ومركزها، هذه العبارة التي تقوم على الأخذ والعطاء. 

نعم إنّي آخذ لأعطي، وأعطي لآخذَ، وكذلك آخذ لآخذَ، وأعطي لأعطي، وهنا وعند هذا الثنائية البسيطة في التركيب السهل في المفهوم وليست سوى أسهل بكثير في السلوك والتطبيق، فكلٌّ منّا قادرٌ على أن يكون حيث يريد من الزوايا، كيف لي أنْ أُترجمَ الأخذ والعطاء عبر تبنّي هذا المفهوم الذي لا يُقيّد ولا يُحدّ، ولكن هل الأخذ هو الاستملاك أو التملّك؟ أو هل العطاء هو التخلـّي؟ 
بالتأكيد الجواب (لا)، بل على العكس من ذلك، إنّ الأخذَ هذا يعني أنّك تسعى نحو إعادة إنتاج ما أخذته ومن ثمّ تصديره مرة ثانية بطريقة مختلفة تطبعها أنتَ لا سواك بطابع العطاء النابع من الحبّ بل من المحبّة التي ستكون الماء الذي سيُسقى به هذا المنتج الجديد بالمفهوم القديم ولكنه المتجدد في دورة الحياة. 
إنّك تأخذ الأشياء بمادّيتها الجامدة لتعيد إنتاجها بمعنوية عالية وقد شربت من ماء الحياة الذي يمدّك بالقوة على فعل الخير وتحقيق الحق والسعي نحو إظهار الجمال في أشكاله المختلفة، هذه الثلاثية القائمة على مثلث الحق والخير والجمال، هي هدف الأخذ الذي سيعود بالعطاء.
ولأنّنا أبناء الحياة ولا يمكن للابن إلا أن يكون وفياً، ولا يمكن له إلا أن يكون ابناً وأباً، يُجيد أن يلعبَ الأدوار في مختلف الأزمان، فالابن بحاجة إلى الأب ليصيّره من عودٍ فتيٍّ أو برعمٍ صغيرٍ، إلى جذعٍ يُستند إليه عند التعب ،ويُتّكأ عليه عند العجز، وبذا يكون الابن أباً لمّا يلعب دوره بعد، بل إنّه جاهزٌ لأن يقوم بهذا الدور فيترجم ما أخذه من أبيه ويعيد تقديمه مرة ثانية تحت عنوان العطاء الذي لا ينتهي، ولن ينتهي ما دامت الحياة قائمة.
ولأنّها الرّيح القادمة من المجهول البعيد فلا بدّ أنّها تبحث عن الضعيف الذي لا يقوى على مواجهتها فيلجأ إلى الإنحناء وربما لا ترضى هي بذلك بل إنها تسعى وبكل ما تملك من قوّة لا إلى كسره فقط بل إلى اقتلاعه من جذوره ، وكأّني بها أنظر إلى ذلك وكأنّه الانتقام وليس دورة الحياة التي لا تأتي بالصديق دائماً بل إنّها تأتي به عدوّاً وأيّ عدوّ هو هذا القادم رافعاً شعار الإلغاء والإقصاء والإنهاء!!
فيا أيتّها الرّيح ابتعدي عنّي فلستُ بقادر على أن أمنحكِ بعض وقتي ولأني لا أملك شيئاً أصلّي لأجل الحفاظ عليه. ولأنيّ لا أملك شيئاً فلا يجدر بي أن أركع أمامكِ أيّتها الرّيح العاتية، فلتكملي طريقك بعيداً عنّي، ولأنّي كذلك أفسح المجال أمامكِ لتذهبي حيث تجدين نفسكِ قد حقّقتِ مبتغاكِ من القهر لذاتكِ ليس لذات الأشياء التي تأتين عليها، أو تأتين إليها، نعم أيّتها الريح إنّكِ الخاسرُ الأكبر لطالما أنّ الحياة تعود من جديد وتبقين معلقةً لا في السماء ولا ثابتة على الأرض، بل ما بينهما.
وهنا لا يسعني إلا أنْ أقولَ مرّةً ثانية، هكذا هي الحياة أخذ وعطاء أو أخذ وأخذ، بل إنها عطاء وعطاء، فكما هي الرّيح والشجرة، هذه تعطي لتلك وتلك تأخذ منه تلك، لكنّهما يأخذان بمقدار ما يريدان أن يقدّما مرّة ثانية، بطريقة جديدة مختلفة.
أيّتها الريح شكراً لكِ أنّك علمتني كيف تكون الحياة، وكيف يكون الأخذ والعطاء.        

الفئة: