أطفال في شباك الحرب... ورفاق تاهوا في طرقات المدينة الجديدة

العدد: 
9181
التاريخ: 
الاثنين, 3 أيلول, 2018
الكاتب: 
رنا ياسين غانم - سماح العلي

هي الحرب التي لا تستثني أحداً، لا تعرف كبيراً ولا صغيراً،  تاركة وراءها أجيالاً تتخبط هنا وهناك، أطفال تركوا منازلهم التي بنوا فيها ذكرياتهم، ألعابهم التي تحدثوا معها وباحوا لها بأسرار كانت تزعجهم، ومن يعلم ربما كانت آخر نظرة لهذا المنزل وهو مجموعة حجارة تناثرت هنا وهناك .
تقول السيدة هدى: لقد هجرنا من منزلنا وكنا في مدينة عدرا العمالية تركنا منزلنا وكل ما نملك وعانيت مع ابني كثيراً بعد خروجنا، لأنه لم يستطع التأقلم مع الوضع الجديد، خاصة أننا انتقلنا إلى محافظة اللاذقية، وبدأت نتائجه الدراسية تتراجع وكان التهجير كارثة علينا.
- تقول الطبيبة وفاء علي كانت تعيش وتعمل في حلب : لا يشعر المرء ببعض الأمور إلا إذا ما مرّ فيها، لا تتخيلن كم هو صعب التنقل من مكانك مُكرهاً تكتفي بأقل الأشياء تاركاً أكثر الذكريات، قد يظن صاحبها أنها لن تطارده لكنها تسبقه إلى المكان الجديد في المدينة الجديدة حيث عليه أن يعيش هرباً من مغبة التطرف والحرب، ناهيك عن حالة الضياع التي ترافقك في البداية خاصة إذا كان الوضع المادي متردياً ويزيد الهمّ همّاً وضع الأطفال النفسي .
تتابع د. وفاء: مع أنني طبيبة شعرت حين انتقلت إلى مدينة جديدة بأنني مريضة وأريد من يتولى علاجي أنا وأطفالي الذين كانوا يؤلمونني جداً بأسئلتهم حول المنزل الذي تهدم ، وألعابهم ورفاقهم الذين فقدوهم.
- السيدة علياء محمد، وهي مُدَرّسة كانت تعيش في دمشق، قالت: لي طفل وحيد، تهجرنا سوياً بدون زوجي الذي قتل على يد مخربين، كان عليّ التعامل مع موضوع الألم على نفسي وبيتي وزوجي الشهيد المغدور ، وعلى ابني الذي كان يصرخ في وجهي دائماً، لماذا لم نأخذ والدي معنا؟ ولماذا هدم منزلنا هكذا؟ لم أعرف كيف أوصل له فكرة أن كل شيء قد مات قبل الجسد أن يموت .
وتتابع السيدة محمد: تركنا كلّ شيء خلفنا ومضينا إلى مدينة هي بالأصل كانت مدينتنا لكن ظروف الحياة جعلتنا نعيش في دمشق بحكم عمل زوجي الراحل، مع ذلك أطلق علينا لقب نازحين على الرغم من أننا في بلدنا ويحقّ لنا أن نعيش في أي مدينة فيه .
كان يصيب ابني نوبات غضب في الليل وأنا كنت أود أن أشاركه البكاء والغضب ، لكنني كنت أدعي القوة كي لا أفقد ابني أيضاً ، لا أعرف كيف مضت الأيام ، لم ننس ولم يطب الجرح فقد كنّا نرغب بالبقاء في أعمالنا وبيتنا وسط معارفنا - الشابّة مرام حسن : هجرت مع ذويها من مدينة أدلب قالت لنا : حين كنت بعمر 14 سنة اضطر والدي إلى تهريبنا من منطقة فجأة تحولت إلى بؤرة للعنف، أعرف أنني لم أفهم الموقف وأنني تمسكت ببقايا منزلنا، ونحن نركض في الطريق إلى المجهول وددت أكثر من مرة أن أفلت يد أمي وأعود لأبحث بين الركام عن كتاب كنت أقرأه، وعن الدبّ اللعبة الذي كنت أعتبره صديقة لي . . سافرنا وسكنّا بداية بالشارع، ثم دبّر والدي عملاً غير عمله الأساسي، وللأسف لم نتابع دراستنا أنا وأخوتي، صرنا نعمل كما يقال بالعامية نعمل بالفاعل كي نستطيع أن نسدد إيجار البيوت التي تنقلنا بينها.
تتابع مرام : كنت أشعر ومازلت أنني مشردة لأننا تحركنا كثيراً ولم نستقر لحظة بسبب قيام أصحاب بيوت الإيجار برفع الثمن، الآن قررت أن أتابع دراستي لكن أضطر كثيراً إلى العمل بالتنظيف في بيوت ناس موثوقة تعرفنا عليهم، لا أخفي عليكن رغبتي بالبكاء في كل لحظة لكني أقاوم من أجل أبي الذي كان ينعم علينا بالكثير، والآن صار بحاجة إلينا كي نقف معه .
عن نتائج الأزمة وخاصة أثر الهجرة على الأطفال كان الحوار الآتي مع الدكتور جبران عاقل: 
الكثير من العائلات السورية اضطرت لترك منازلها واللجوء إلى مدن أخرى، كيف يمكن أن نشرح للطفل سبب ذلك؟

لعمر الطفل دور أساسٍ في مسألة شرح ما يتعلق بالحرب أو الأزمة التي تمر بها سورية، ومن حق الطفل أن يعرف كل ما يجري حوله، لكن يجب الرجوع لمفهوم الطفل وتعريفه أولاً، لأن الطفل يمر بمراحل إدراك عقلي مختلفة، ويجب أن نكون واعيين لبيئة الطفل وظروفه وتاريخه، لأن العمر الزمني ثابت، بينما العمر العقلي يتأثر بعوامل كثيرة، والطفل كلما تعرض لتجارب فكرية أكثر يتغير نموه العقلي، إمّا للأفضل أو للأسوأ، فالحرب والأحداث المؤلمة يمكن أن تكون مقلقة جداً للأطفال، ويكونوا خائفين بأن يحصل شيء لهم أو لأهلهم مثل الضرر والتهجير والإصابات والموت الناجم عن الحرب، فمن الضروري أن نعامل الأطفال معاملة الرجال، ونضعهم بصورة المجريات، ولابدّ من إجراء حوار حقيقي ومنطقي مع الأطفال يُبين الأسباب والظروف المحيطة وحجم المؤامرة التي تحاول النيل من شعبنا، ولابدّ من التركيز على الطفل خلال الأوقات الصعبة، وتخصيص وقت للتحدث معه وجعله يعرف أننا متواجدون معه، وأننا نحبه، ونطمئنه بأنه بخير، ونشرح له بأنه لا بأس أن يشعر بالضيق ومن الطبيعي التحدث عن ذلك، وأن سبب ترك المنزل واللجوء إلى مدينة أخرى هو لحمايته وحماية أخوته من الأحداث الجارية وأننا سنعود بعد ذلك.
ماهي الآثار التي خلفتها الحرب في سورية على الأطفال؟
عدم الشعور بالأمان والخوف وما يرافقه من اضطراباتٍ نفسية وسلوكية، كاضطرابات النوم والقلق الدائم وقضم الأظافر . . وغيرها، التنكر للمرحلة العمرية، فترى الطفل يترفّع عمّا يقوم به الأطفال من حوله سواء أكان على مستوى اللعب أو الحركات الطفولية ويتّجه إلى تقليد الكبار في سلوكهم ومرد ذلك إلى شعور الطفل بالمسؤولية في ظلِّ غياب المعيل أو الشعور بالفقر والعوز الشديدين، أو كحالة تمرد على الضعف وإثبات للذات، أيضاً العنف كون الطفل النازح قد شاهد كثيراً من مشاهد العنف، أو وقع العنف عليه مباشرةً أو على أحد المقربين منه، وذلك تبعاً للتوتر والظروف القاسية التي تمر فيها الأسرة النازحة، ولاسيّما معيلها، إضافة إلى التمييز وعدم القبول الذي قد يلقاه الطفل من الوسط الاجتماعي الذي نزح إليه. وفي هذه الحالة يعيد الطفل تدوير العنف المخزون لديه بطرقٍ عديدة ابتداء من العنف اللفظي وصولاً إلى العنف الجسدي الذي يمارسه على أقرانه أو أخوته، كذلك ضعف الدافعيّة للتعلم وانخفاض مستوى التحصيل العلمي وعدم الالتزام بالقواعد المدرسية، ويعود ذلك إلى الفقر والظروف الاقتصادية الصعبة للكثير من أهالي الطلاب والتي أدّت إلى إهمال الأهل لتعليم أولادهم وعدم السؤال عنهم، نظراً لانشغالهم بتأمين لقمة العيش، شعور الطفل النازح بالدونيّة وعدم الثقة بالنفس وهو غالباً انعكاسٌ للفروقات الاقتصاديّة والطبقية التي يشعر بها عندما يقارن نفسه بأقرانه من القاطنين الأصليين في المنطقة التي نزح إليها. فنتيجة ظروف الأسرة النازحة الماديّة وعدم قدرتها على العناية بلباس طفلها وهندامه بالشكل المطلوب.
كيف يجب أن يتعامل الأهل مع أطفالهم؟
بناء الثقة مع الطفل وفهم شعوره ويتم ذلك بتمضية وقت كافٍ مع الطفل وإظهار الدفء نحوه والاهتمام به، القيام بعصف ذهني أو تفكير جماعي:لأن الأطفال يختلفون في مدى شعورهم بالضيق والشدة نتيجة للتجارب القاسية التي مروا بها، تنصح ريتشمان المعالج أو القريب من الطفل بالقيام بـ «عصف ذهني» أو تفكير جماعي يقوم به أفراد مجموعة متشابهون في الأزمة، بحيث يتم تشجيع المشاركين على قول ما يخطر في ذهنهم، وذلك كي يتم جمع أكثر ما يمكن من الأفكار في وقت قصير، كما أن الكلام عن الأشياء يفيد في النسيان وتفريغ التوتر والشعور بالتحسّن، و استخدام الملامسة والانتباه والرسوم والدمى: في حالة عدم رغبة الطفل بالتواصل، ، ومن الجيد أن يتم إشراك الطفل في مجموعة صغيرة لعمل الواجبات المدرسية بحيث تتاح له فرصة للتآلف مع أطفال آخرين والشعور بالأمان معهم. إذًا من المهم توفير طرق مختلفة لكي يعبّر الأطفال عن أنفسهم، أخيراً العمل على استعادة الحياة العادية للطفل.
كلمة أخيرة تودّ قولها؟
الطّفل يعبّر عن خوفه وقلقه بأسئلة، فهي تعمل على تهدئته وتعيد إليه الشّعور بالأمان، فمن الضّروري استغلال هذه النّقطة وفتح حوارٍ معه ليطلق العنان للمشاعر الدّفينة في داخله، وتوجيهها توجيهاً صحيحاً مع إيضاح بسيط للموقف الّذي شاهده أو تعرض له مع التّأكيد على عدم ترك الأطفال وحدهم يشاهدون المجازر الّتي تُعرض يومياً على شاشات التّلفاز، فهذه اللّحظات هي من أهم اللّحظات في حياة الطّفل، فإذا ترك وحده فسيزداد أثرها السّلبي في داخله على المدى القريب والبعيد.
كما أنّ لسلوك الوالدين أمام أطفالهم دوراً كبيراً في زيادة القلق لديهم أو التّخفيف منه، فمن الضّروري أن يبذل الوالدان جهدهما في المحافظة على هدوئهما وعدم إظهار مخاوفهما من الحرب، وعوضاً عن ذلك التّحلي بالتّفاؤل والأمل بزوال الحرب، وأن يعبّرا عن قدرة الشعب السوري على تجاوز الأزمة.
 

 

الفئة: