موظفــون فــي قوارب نجــاة

العدد: 
9181
التاريخ: 
الاثنين, 3 أيلول, 2018
الكاتب: 
هدى علي سلوم

نهوى كأس العالم والمباراة ونتلقفها بارتياح، ونعشق كأس واقعنا ومعيشتنا على أرضية ملاعب الأسواق والأسعار، اللاعبون فيها نحن المغلوب على أمرنا من شرّ استطار، نرمي بكرة همومنا على امتداد الأشواط، نقفز ونتسلل فوق التخوم الحالمة بضربات جزاء على لوازم المدارس وأسباب المعيشة وسبل الحياة لعلّ فيها فوز مباح، فإذا هي علقم ومرارة وأوجاع، نتلقفها بذات اليمين وذات اليسار، نتجرع كؤوسها حتى الثمالة كل يوم، ننحني على مشاربها ، ونرتمي على مشارف الخيبة وننام على وسائد آمالنا ملء الأجفان.
نحن واقعيون، ولا يأخذنا الغرور بالنفس، ونعرف أننا خلقنا للمشاق، فكلما ازدادت الشدائد علينا ازددنا صبراً وقوة وإيماناً في إثبات الذات، والمحافظة على مقومات الحياة، فإذا ما تدور رحى الأيام، وتطحننا معاركها، وتتبركن تحت وطأة طلبات الزوجة ورغبات الأولاد، حمم معلقات تكوي القلوب، وتحرق ما في الجيوب، فإننا دائماً ما نحاول الإمساك بطرف حبل النجاة، فالراتب الواهن الضعيف لا يقوى على تلبية الحاجيات والضروريات من الاستهلاكيات، ويترنح من الأيام الأولى للشهر، ويندرك في هلاك قاتل ومقتول لا خيار، لنعيش في متسع من الفقر والبؤس والسواد، طال جميع العائلات والأفراد، ولا إفلاس عنهم في ابتداع صور جديدة لستر الحال.

جبالنا وحقولنا التي هجرناها يوماً، وسارعنا إلى ازدحام المدينة وضجيجها، نبحث عن وظيفة ورغيف أحلام، سكنا علباً اسمنتية بلا ألوان، ونسجنا نهارات وليال عمرنا بزيف الأوهام، فإذا هي تبلى وتهترئ قمصانها، ونتعرى حقيقة نبصر فيها أن جبالنا وحقولنا تتباهى بخضرتها، وأشجارها الحبلى بالأزهار وعطورها، وأفيائها الندية وثمارها حيث الدار والأهل والأجداد، (كنّا ننام كما ينام الدار) راضين مطمئنين مرتاحي البال، و (اليوم نبكي كما يبكي الدار) لعودتنا خجلين.
الكثير من أبائنا هم موظفون، ويملكون بعض أجزاء من المساحات الزراعية في قراهم توارثتها الأجيال، كانوا قد تركوها إلى حين، لأشجار افترشت ترابها، وأزهار البرية والأقحوان، واليوم أصبحت الملاذ وقارب النجاة، بعد هذا الضيق والجفاف والجفاء بين الراتب وسوء الأحوال وجنون الأسعار، فماذا يقولون؟ وبأمرهم كيف يتدبرون؟
أبو شادي يأتي من المدينة كل يومين، طارقاً باب دار والدته ليبدل ملابسه الأنيقة والحذاء، ويلبس بعض الثياب البالية القديمة، كان قد حملها من مسكنه ورافقته في السرفيس والمسير، يتناول قارورة ماء مثلجة، ويهرع للحقول قبل أن يحلق لهيب الشمس بأجنحته في الأجواء، قال متمتاً بمرارة وهو مقبض على بعض الأنفاس بعد جهد العمل والعناء: 
آه . . آه على هذه الأيام، ما أصعبها، لم يكن في الحسبان يوماً أن أعود إلى أعمال الزراعة ومشاقها، فأنا كنت صغيراً يوم غادرته، وقصدت المدينة لأدرس في الجامعة، وأتخرج مهندساً، وأحصل على وظيفة جيدة، وأسكن بيتاً من قرض عقاري، تزوجت وأنجبت أولاداً، وكانت الأحوال عال العال، أما اليوم فمنذ ثلاث أو أربع سنوات ونحن في انهيار وخراب، فلم يعد الراتب وراتب زوجتي يسد الرمق، وحاجات الأولاد في ازدياد، وبت عاجزاً عن توفير أقلها، فما كان مني إلا أن فكرت باللجوء إلى أرض ورثتها عن أبي، أزرع بعض الخضار التي توفر بعض استهلاكياتنا اليومية مثل البندورة والخيار والكوسا والباذنجان . . وتساعد على اجتياز عتبات عيشنا وتبعد عن عائلتي شرّ الحاجة والعوز، وأيضاً هذا العام أزرع الدخان ففيه رأسمال لابأس به أدخره لدروس الأولاد الخصوصية، فالتوأم عندي أصبحا في الشهادة الثانوية ويحتاجان للمعلمين والمعلمات يكملوا معهم المنهاج.
ويزفر أنفاساً فيها لوعة ليقول: والدتي الحنون لم أكن أزرها إلا في الأعياد، واليوم تعبق سعادة كلما طرقت بابها، وأجدها قد أشرقت ونسيت مواجعها التي كانت تدفقها على مسمعي كلما هاتفتها لأسألها عن صحتها والأحوال، كما أنها ترافقني إلى البستان، تساعدني وتلهمني ببعض نصائحها، وتتذكر أياماً جميلة  قضتها مع والدي تزرع الأرض لتثمر فينا أحلامها فرحاً وعلماً وحياة.
وأكد أبو جابر الذي يسكن في أعالي البناية كما كان في قريته يسكن أعالي الجبال، أن الحاجة أم الأفكار والاختراع، فقال: هيأت مكاناً للزراعة على سطح البناء الذي أملكه لأزرع بعض النباتات والخضراوات الشتوية ومنها الصيفية، التي أقلها شراء من السوق ينهش الراتب من الأوراك والفؤاد، لتبقى بعض أجزاء منه للدواء، وأصبح السطح حديقتي، ومكاني ولا أكاد أبارحه، فيه أجد أنسي والملاذ.
أمّا أبو نورا، الذي يسكن بيتاً يضيق به وزوجته، حيث أنه لا يتعدى الستين متراً، فإنه قد حول أصيص زهور زوجته إلى مشاتل صغيرة لغرس بعض أصناف من النباتات التي يحتاجها لصحن السلطة المفضل على مائدته العامرة بالحياة، كالبصل والبقدونس والخس والسبانخ، وكل منها يستحوذ على سعر لا بأس به في السوق، وجمعها يستهلك جزءاً من الراتب الضعيف، فاليوم الأسعار في انفلات، كما أن رؤية الخضار تبعث السعادة في النفس وعطرها الزاهي بالألوان، يرويها ويرعاها كما كان للأولاد، ويشغل نفسه عن مشاكل الزوجة وثرثرة الجيران.
 

 

الفئة: