نـُعيب حكومتنا والعيب فينا إلى زغرين ... أشجار بلا حفيف وينبوع بلا رقرقة

العدد: 
9180
التاريخ: 
الأحد, 2 أيلول, 2018
الكاتب: 
شروق ديب ضاهر

عطلة عيد الأضحى هذا العام كانت مميزة بطول مدتها، أربعة أيام في حضن الأسبوع مدّت جناحيها إلى نهايتيهما فكان الحصاد عطلة من تسعة أيام وصار من المحتم على عائلتي وضع خطة لقضاء عطلة العيد يمتد مجالها الأخضر من سفوح جبال اللاذقية إلى رمال شاطئها ويتوقف عند الخطوط الحمراء التي تحددها سطوة الجيوب الفارغة.


في اليوم الرابع للعيد اقتضت خطتناً شد الرحال إلى منتزه زغرين برفقة عائلة أحد أصدقائنا وذلك بعد نقاشٍ لم يدم طويلاً كان مفاده أن الذهاب إلى المطعم في آخر أيام العيد لن ينوبنا منه سوى غُمة الازدحام وأصوات قعقعة الملاعق والصحون بينما نستطيع في منتزه زغرين أن نستمتع بطعام صنعته أيادينا في بقعة خضراء تأنقت الطبيعة ثلاثين عاماً في تشكيل جمال دُلبها وصفصافها ولجين مائها دون أن يعكر صفو متعتنا في النهاية وجه النادل المبتسم يقدم فاتورة الحساب في صحن يحتوي حبةً تؤخذ تحت اللسان.


وصلنا إلى المنتزه المطلوب وجلسنا على المائدة وبدأنا بمد سفرتها لكنني شعرت أن «ولاويلاً» تضج داخل رأسي فأصحاب المنتزه المجاور قاموا بتشغيل مكبرات الصوت لديهم على أنغام أغنية «جمالا ولووو» كان الصوت عالياً وكأن المكبرات تهدر فوق رؤوسنا لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد إذ سرعان ما جاء الرد الحاسم من أصحاب المنتزه الذي نجلس في أيكته فقاموا بتشغيل مكبرات الصوت لديهم تاركين العنان لعلي الديك يصد بمواويله «ولاويل» الغزاة من المنتزه المجاور والعتابا بين الفريقين سجال، اختلطت المواويل «بالولاويل» وثار نقع غبار المعركة وأبى النشامى وأهل الفزعة إلا أن يدخلوا معركة التلوث السمعي بمددهم فعن يميننا مائدة لمجموعة من الشباب والصبايا قاموا بوصل أحد الأجهزة الخلوية إلى مكبرات جلبوها معهم ليدخل ملحم بركات ميدان النزال بواواته «أواواواواووووه» وعن يسارنا مائدة لكرنفال من سميّعة حلب يبدو أن مكبرات الصوت لديهم من إنتاج ياباني دخلت ساحة الوغى بقوة على ياءات صباح فخري «ربة الوجه الصبوح يايايايايايايا. .» أحسست أن طبلة أذني صارت ربابة أنغامها نشاذ ولم أعد أستطيع التحدث إلى شركائي في المائدة إلا بالصراخ وإشارات الصم والمضحك المبكي في الموضوع أن أصحاب الموائد الأخرى كل يغني على ليلاه ويرقص على بلواه حتى أشجار الدلب الباسقة توقفت عن حركتها وأبت أوراقها حفيفاً لا جدوى منه ولا مستمع إليه.
نظرت إلى ساقية الماء فلم أرَ إلا جمهرة من الأطفال ازدحموا فيها بملابسهم الداخلية لا بل وارتدى بعضهم الطوافات ونظارات السباحة رغم أن عمق مياه النهر لا يتجاوز المثنى من الأشبار..! أحمد الله أن أحداً لم يجلب معه صنارة صيد السمك..!


على أطراف الموائد ارتمت الأكياس الورقية والبلاستيكية والمناديل بشتى ألوانها في مشهد يجبر العيون على الاعتذار لأدمغتها من التلوث البصري الذي تقوم بنقله إليها.
كانت جدتي إن تحدثت عن مشهد أو مسمع مؤذٍ ألحقته بقولها: العفو من الله، وها أنا ذا اقتبس طلبها العفو من الله عما تقترفه أيدينا من تلوث سمعي وبصري يضيف إلى صعوبة الحياة صعوبةً ويغلّفها عامداُ متعمداً بالتوتر والضغط النفسي، مَثلنا كمثل الطفل المشاكس العنيد لا يزيده الضغط إلا إمعاناً في العناد والصراخ.


اعتدنا في أغلب الظواهر المجتمعية السلبية أن نشير بالسبابة إلى المؤسسات الحكومية والجهات المسؤولة لكن ظاهرة التلوث السمعي والبصري في المنتزهات والحدائق العامة ظاهرة ذاتية بحتة المسؤول الأول والأخير عنها ثقافتنا الذاتية والحل الوحيد لمعضلتها حلٌ ذاتي مصدره الفرد من خلال تهذيب ثقافته الذاتية الأمر الذي يفضي إلى مجتمع يرفض بالفطرة ظاهرة التلوث السمعي والبصري في المنتزهات العامة ويأبى أن يكون طرفاً فيها، إذ لا يعقل أن تنتدب الحكومة مسؤوليها إلى الحدائق والمنتزهات العامة يجولون فيها ويتأكدون من أن الأشجار لا يزال يُسمع حفيفها وأن الينابيع ما زالت ترقرق..!
بالعود على بدء قصتي بعد خروجنا من «ديسكو جعرين» أو ما كان يسمى منتزه زغرين تنفست الصعداء لدى ركوبنا في السيارة، فالليل قد أسدل ستائره ونعمة السكون خيمت على مسامعي، بعد مسيرنا بأمتار قليلة أدار صديقنا مسجل السيارة بأعلى استطاعته على أنغام أغنيته المفضلة «جمالا ولووو» . .!؟