المؤونة بين هرج ومرج الأسعار .. والباذنجان يسير على السجادة الحمراء

العدد: 
9179
التاريخ: 
الخميس, 30 آب, 2018
الكاتب: 
بثينة منى

موروث شعبي من حكايا الجدات

 

تعد المؤونة من العادات القديمة لدى الكثير من العائلات بمختلف شرائح المجتمع، فمنذ القدم كانت هناك طرائق عدة للحفاظ على كل منتجات الصيف شتاءً وهي ما تعرف بـ (المونة الشتوية)، ومع انتهاء فصل الصيف من كل عام وحلول شهر أيلول تبدأ رحلة العائلات بالتحضير للمؤونة سواء في المناطق والمدن والأرياف.
المؤونة تراث أم مصطلح؟
حاولنا التعرف من الأهالي والأسر حول موضوع المؤونة، فمنهم من أيد ذلك بظل ارتفاع أسعارها شتاءً ومنهم من استهان بذلك بحجة أنه في الوقت الحالي كل شيء متوفر في الأسواق سواء كانت المنتجات صيفية أم شتوية باستثناء ارتفاع سعرها مادياً حسب المنتج.
رغبنا الإضاءة على واقع الأسعار بموسم المؤونة مستفيضين عن ذلك بشرح من قبل المواطنين.
تقول السيدة أم حسان: مع حلول شهر أيلول من كل عام أقوم بالتحضير للمؤونة الشتوية وعلى رأسها المكدوس، حيث نقوم بشراء الباذنجان الصغير والجوز والفليفلة الحمراء والزيت وبعض المنكهات والمواد الحافظة وتقدر الكمية الممونة لفصل الشتاء بـ /60كغ/ لكن مع هذا وذاك نقول: لماذا يتمّ رفع سعر هذه المواد بهذا الشهر تحديداً بظل غياب الرقابة التموينية؟ وهل يعقل أن يتحكم البائع بشرائح مختلفة في المجتمع بالسعر؟ فسعر (المرطبان) يفوق سعر الكيلو غرام الذي نقوم بتموينه لذلك نحن مضطرون للحفاظ على مبادئ المؤونة التي ورثناها عن أبائنا وأجدادنا، وبالإضافة إلى هذه المادة الرئيسية التي تجلس على قائمة المؤونة هناك مؤونة أخرى وهي الزعتر البلدي الذي نقوم بتحضيره على أكمل وجه وتحميصه وطحنه بطريقة جيدة وتخزينه لفصل الشتاء، كما نقوم بتخزين البامياء والفاصولياء والبازلاء والفول والبرغل والحنطة، فهذه أهم مقتنيات المؤونة.
وأيضاً قصدنا أحد البيوت المتواضعة في إحدى القرى الجبلية لمعرفة إن كانوا ما زالوا يحافظون على عاداتهم القديمة للمؤونة فأفادتنا نورا أحمد: نحن كمجتمع ريفي نقوم بزراعة مختلف أنواع الخضار والفواكه والمحاصيل الزراعية الأخرى ولا نشتري سوى القليل منها، لذلك حافظنا على هذه العادة بتحضير المؤونة لفصل الشتاء كون هذا الفصل قاسياً نوعاً ما والأسواق بعيدة عنا، والمحلات تبيع مقتنياتها بأسعار مرتفعة، فمع بداية شهر أيلول نستحضر كافة المحاصيل الزراعية التي قمنا بزراعتها صيفاً ونقوم بتحضيرها حسب العادات والتقاليد التي ورثناها عن أهلنا، حيث أن هذه المؤونة توفر لنا الكثير من المصاريف في فصل الشتاء فهي تكفي لسبعة أو تسعة أشهر حسب الطهي، وهذه العادة لا يمكن لأي أسرة ريفية وخاصة جبلية أن تستغني عنها لأي سبب من الأسباب كون الأسرة الريفية تقوم بزراعة كافة هذه المحاصيل وبالكاد نشتري أشياء بسيطة توضع ضمن هذه المواد لحفظها.
وحول أهمية المؤونة لكثير من الأسر السورية مجتمعة بين القرى والمدن وفيما يخص هذه المسألة الغذائية الهامة يقول فادي جديد: لا داعي اليوم وفي ظل التطور والتقدم أن تلجأ الأسر إلى المؤونة لأنها من العادات القديمة والقديمة جداً، حيث لا محلات أو مولات وأسواق واستيراد وما شابه ذلك، والمواطنون مضطرون إلى تخزين محصولهم الصيفي بمختلف أنواعه وأشكاله إلى فصل الشتاء كون الشتاء سابقاً كان قاسياً جداً، فالأمطار تستمر لأسابيع وفي القرى تنقطع الطرقات بسبب قلة وسائط النقل، لذلك برأيي الشخصي هذه العادات ستتلاشى سنة بعد أخرى.


عبء على المواطن
موسم المؤونة والمدارس يستهلك ميزانية الأهل بالكامل هذا يعني أن هناك أعباءً أساسية تثقل كاهل الأسرة مع ارتفاع للأسعار فاق كافة القدرات ما يشكل عبئاً مالياً مضاعفاً.
السيدة عبير سرية قالت: على الرغم من توفر مختلف أنواع المؤونة شتاء في الأسواق إلا أننا نقوم بتحضير المؤونة لأن ما نقوم بتموينه تكون أسعاره أضعافاً مضاعفة شتاء في الأسواق، لذلك نحن كشرائح مجتمع مازلنا نواظب ولو بشكل بسيط على تحضير المؤونة حسب الحاجة الماسة لها، فمن الطبيعي أن تخزن أي أسرة تلقائياً المؤونة (البامياء، الفريكة، الزعتر) ولا أقول المكدوس لأن هذه المادة سعرها مرتفع سواء من مادة الزيت الذي يفوق سعره 1700 ل.س والجوز الـ/5000ل.س/ والفليفلة المطحونة /2500ل.س/ والباذنجان/150ل.س/ لذلك الكثير من الأسر عزفت عن مؤونة المكدوس بشكل عام وأصبحت تحضر لدى العائلات المقتدرة.


وفي ذات السياق يضيف التاجر مهند علي صاحب محل: المؤونة التي تتحدثون عنها تلاشت نوعاً ما بظل ما تشاهدونه في داخل المحل من كافة المواد والمنتجات والمحاصيل الزراعية والغذائية المحلية منها والمستوردة فهي تباع على مدار السنة وبأسعار مقبولة لدى كافة شرائح المجتمع المحلي، حيث مؤونة الشتاء من الفريكة، برغل، حنطة، مكدوس، تين يابس، الزبيب، الجوز، الفليفلة، زيت الزيتون، المربيات بمختلف أنواعها وأشكالها، الملوخية... إلخ، تباع بجودة ممتازة وعالية وحسب المواصفات القياسية وذات مدة صلاحية محدودة، لذلك ليس على المواطن أن يضطر للعناء والجهد والتعب لتحضير المؤونة كون التيار الكهربائي ليس مستقراً بظل الأحداث الجارية ومصطلح المؤونة اليوم أثبت فشله بظل وجود كافة متطلبات الحياة الاجتماعية اليومية فالمواطن يشتري تعبه بقليل من المال.
من خلال ما تقدّم: هل المؤونة تخص شرائح المجتمع القروي أكثر منها في المدن؟
حيث سابقاً لم يكن توجد برادات ولا فريزات لحفظ الغذاء ولكن كانت هناك مواد خاصة لحفظ هذه المواد من التلف فقد كانت الفاصولياء والبامياء تشمّس بطريقة جيدة ويتم حفظها بالملح وبعض المواد لطهيها في فصل الشتاء وأيضاً الكوسا والباذنجان تشمس بعد نقرها أما البندورة والفليفلة فيتم حفظها عن طريق العصر والتشميس والغلي حتى تصبح فيما يعرف اليوم (رب البندورة) ومن المعروف بأنه اليوم يوجد الكثير من المعلبات التي تحفظ الكثير من المحاصيل الزراعية الصيفية ولكن تباع بأسعار مرتفعة جداً.


إجراءات متخذة
وحول ما يقع على عاتق مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في هذا الخصوص كانت لنا وقفة مع السيد المهندس أحمد نجم الذي سألناه  مع موسم المؤونة عن استغلال وغش وارتفاع مضاعف للأسعار في الأفق وأسواق المونة من غالٍ إلى أغلى والمستهلك يتساءل عن أسباب غياب الرادع القانوني والرقابي فقال:
في كل عام مع بداية شهر أيلول يبدأ المواطنون بتحضير وتخزين وتعبئة بعض الأصناف الغذائية المعتادة التي تعرف بتعبئة المؤونة مثل (المكدوس، البندورة، عصير الفليفلة الحمراء، أنواع المربيات، البصل اليابس..إلخ) حيث يكثر الطلب على هذه المواد الغذائية فترتفع الأسعار قليلاً لبعض هذه الأصناف، ونحن بدورنا نقوم بتكثيف الدوريات على تلك الأصناف بدءاً من سوق الهال وحتى باعة المفرق لضبط الأسعار ومنع أي تجاوزات وتدقيق الفواتير المتداولة، حيث قمنا بتنظيم عديد الضبوط التموينية بحق ضعاف النفوس الذين يستغلون هذه الفترة فتتم إحالة الضبوط التموينية إلى النيابة العامة أصولاً وهنا ينتهي دورنا.
وأضاف نجم: الرقابة التموينية تتألف من عدد من الدوريات التي تتوزع على كافة أحياء المدينة ومناطق المحافظة وهناك دوريات نوعية لسحب العينات ومراقبة سوق الهال ومحطات المحروقات والمخابز، حيث يتمّ سحب عينات من أصناف الأغذية المعروضة في الأسواق وتنقل إلى شعبة العينات بعد أن تختم بالختم الرسمي وبالشمع الأحمر أمام صاحب المحل وتعطي أرقاماً سرية تحال إلى دائرة المخبر لإجراء التحاليل اللازمة عليها وتصدر نتائج التحليل عن دائرة المخبر لدى مديريتنا.
وعن التفاوت بالأسعار من محل إلى آخر يقول م. نجم: ارتفاع وتفاوت الأسعار بين محل وآخر وسوق وآخر يعود لجودة المواد المعروضة ونوعيتها وهناك ما يسمى بالأسواق الشعبية التي تكون الأسعار فيها مقبولة.
نخلص للقول
من خلال لقاءاتنا مع عدد من المواطنين لاحظنا أنهم مضطرون للمؤونة في ظل الاحتكار وتجار الأزمات والارتفاع اليومي لكافة المواد الغذائية وغير الغذائية، واليوم وفي ظل ضبابية عمل السوق لا يوجد أي شيء ننصح به المواطن بطريقة التسوق وشراء الحاجيات الأساسية، فالنفقات ترهق الكثير من الأسر من دون أي مسوغ لذلك لا بد من أن تتغير قناعات البائعين والتجار بأن يبالغوا في رفع الأسعار، ولابد من اتخاذ إجراءات حقيقية لتعزيز ثقة المواطن بالرقابة ووضع خطط مرحلية للمعالجة.