الموتُ كســـــلاً

العدد: 
9179
التاريخ: 
الخميس, 30 آب, 2018
الكاتب: 
حسن علان

 ذهب أحد العاملين بالدولة إلى عيادة الطبيب لإحساسه بالتعب، وبعد الفحص والتدقيق، والأسئلة والأجوبة، قرر الطبيب المعالج منحه استراحة لمدة أسبوع يقضيها في منزله، وبعد أن علم المريض بقرار الطبيب صُعقَ وهبَّ واقفاً، بدل أن يفرح لقرار الطبيب كونه سيرتاح في البيت بعيداً عن هموم العمل الوظيفي، لكنه رجا الطبيب أن يعطيه أدوية أكثر، أية أدوية تسرِّع الشفاء من هذه الحالة التي ألمت به، ولا داعي للاستراحة المرضية لا في المنزل ولا في المكتب، لأنه ملزم بعمل في دائرته يتعلق بشريحة كبيرة من المراجعين عليه إنجازه والانتهاء منه بأقرب وقت.
 نظر الطبيب إلى المريض مستغرباً مشفقاً فقال له: ماذا تظن نفسك، هل سيضعون لك تمثالاً من الذهب لإخلاصك في عملك، أم سيصرفون لك مكافأة مالية تعادل أجرك الشهري؟ مَن أنت يا أخي؟ أين ولدت؟ وأين نشأت ودرست؟ ومن أين جئت؟ ثم هزَّ الطبيب برأسه قائلاً: صحيح . . الدنيا ما تزال بخير بوجود أمثالك.
 العمل شرف يهذب النفس والروح، لأنه واجب مقدس، علينا الالتزام به قدر الإمكان، وحين نريد أن نعمل ونجري بشدة وراء رغبة العمل الجامحة نمتلئ إحساساً بأننا ننحت لأسمائنا مكاناً تحت الشمس، تحت وهجها على مر الزمان، وفي عقول الناس وذاكرة الوطن الذي نعمل من أجله وننسى أنفسنا وقوانين الطبيعة التي تحكم كيمياء الجسد والعقل والقلب، لكن حينما يتوقف الهدير من حولنا سنعرف أننا بحاجة إلى هذا التوقف والهدوء لنستريح قليلاً من هموم العمل وصخب الحياة، وعلينا أن نكسر حدة استمرار أي شيء حتى نشعر بمتعته لأن الاستمرار يعني ذوبان الطعم وفقدان الوهج لهذا الأمر أو ذاك، في الوقت الذي نعكفُ فيه على العمل نحرم أنفسنا من التمتع بضحكات الفرح والمناخات الإيجابية، وزيارات لأصحاب وأحباب طيبين، وقد نحتاج إلى الراحة والهدوء والاسترخاء أو إلى الكسل أحياناً، لأن لحظات الإبداع تسبقها لحظات هدوء وسكينة وخلالها ننسى كل شيء ونذهب في نزهة خلوية إلى تخوم الكون الفسيح نتنزه في كل أرجائه ونمتع أنفسنا في جمالياته ثم نعود وقد امتلأنا بالإبهار والدهشة، وعندما تتفجر الإبداعات ونكون قد ساهمنا بتقديم ما هو مفيد للوطن،والكسل الذي نتحدث عنه ليس دعوة للنوم طول النهار أو السهر على التوافه طوال الليل، إذاً العمل باستمرار وبلا توقف مع حمل الهموم في القلب والعقل، يعتبر انتحاراً بطيئاً لأننا نسمع عن حالات حدثت في بعض بلدان العالم بأن الناس هناك يموتون عملاً بعكس عندنا تماماً، لأن أكثرنا يموت كسلاً.