ارتعاشات الروح

العدد: 
9179
التاريخ: 
الخميس, 30 آب, 2018
الكاتب: 
جورج شويط

تهربُ من مرايا الكلمات، تطلعُ عليكَ من دفاتر الزعتر، تهجر الناسَ بعيداً، لتجدَ نفسَكَ تسبحُ في بحيراتهم النقية تارة، العكرة تارات، تنزعُ عنكَ قمصانَ الوهم، فترتدي روحُك معاطفَ شتائية مبللة بالمطر والعتمة، تخلعُ قلبَكَ، ترميه في لجّة الغياب، يعرّش اسفنجاً في أعماق المحيط، يعتصر نبضك .
تسمّر عينيكَ على صليب الانتظار، يأتيكَ الجمالُ بلا موعد على هيئة (غانية)، نادماً تحرم جسدَكَ من رغباته الطفولية. تتشظى أجزاؤكَ جمراً مغطساً بالحرائق، تدير ظهرَكَ لذاكرة الموت، فتغادركَ نعوشُ الأصدقاء بلا مناديل وداع ولا دموع، ولا شواهد، فقط ثمّة أوراقُ نعي مسبقة التدوين تشهق على جدران المدينة: (الجميعُ في سفر) .
ترتمي على أكفّ الموج، يلفظكَ البحرُ، وتصفعكَ (يدُ اغترابكَ) من نافذة (موجة)، تقطع أوصال الوقت على إيقاع العمل بحثاً عن نجاح، لكن رمل الوقت يفرّ من بين أصابعك على عجل .
تمسك (الريموت كونترول)، تقلّب في أحوال الناس المنقولة إلى شاشة عينيكَ ودماغكَ المشوّش، للتوّ، تلفظ أنفاسَكَ على حافة حلم يتلاشى كفقاعة روح تبحثُ عن صديق، كأنّما السراب بعينه، تبحثُ عن عدوّ، كأنما الحشر مابعد القيامة، تلوذ إلى حضن (خير جليس)، تشتتكَ الأفكارُ إلى جزر ضبابية لا (إيميلات) ولا (دوت كوم) فيها . .
تقرأ في رواية (التاريخ) أسطراً وملاحمَ وملامحَ لأساطير وأبطال وحضارات، سادتْ ثمّ بادتْ، تفتّش عن آلاف الوجوه وملايين العيون التي أطفأتها ريحُ الزمن العاتية .
تستيقظ على أصواتهم، تزرع قرنفلة في يابس جسدك، تعودُ لكَ الروح، الشمسُ مازالتْ تشرقُ من قلب ليلكَ، ورائحةُ القهوة تفوحُ من شرفة صباحك الجديد، الحياةُ في الخارج بدأتْ عجلاتُها بالدوران. الناسُ هربوا من التاريخ، يهرولون الآن بحثاً عن الآتي، عن مكانٍ ما لهم تحتَ الشمس وتحت الضوء، هم الآن أمامَ طيفِ الحقيقة، قبالة وجهِ رغيفٍ أحمرَ كالقمر، أمامَ وجوه أطفالهم العارية، تنتظرُ أشياءَ من زندِ زندكَ، أو زندِ عقلكَ .
الشعرُ، والقهوةُ . . وصوتُ فيروز . . و(رغلة) الصغار تنعشكَ، تحثكَ على التأمّل والبحثِ في جدول أعمالِ يومٍ من عمركَ، تنظرُ إلى المرآة، ثمّة ارتعاشاتٌ لعقاربِ ساعةِ الروح. صفيرُ قطار يومك يعلو: حانَ موعدُ الانطلاق .

الفئة: