بين الشط والجبل.. إنها المحبة

العدد: 
9178
التاريخ: 
الأربعاء, 29 آب, 2018
الكاتب: 
سيف الدين راعي

غالبن أشواقي وأنا أستعيد بعض وجوه غادرتني وبعضاً ما تزال تصافحني وأحسست بقلبي يفيض هوى، وتذكرت كلاماً للأديب الكبير ميخائيل نعيمة يقول: مثلما يفرغ النهر العظيم ذاته في البحر فيملأه من جديد هكذا فافرغوا محبتكم لكي تعود فتمتلئ من جديد.
إنها المحبة فلأسرج فرسها في ميدان لم تغادره أبداً بل ظلت عمرها تحمحم في ساحاته ولأجدها تعود فتمتلئ من دنان أحبة بادلوها المحبة بالمحبة.
لا أدري كيف راحت السماء تنهمر في مقلتي فخلعت نفسي من براثن ضجرها وسأمها وحزنها وأطلقت وجهي لريح تتناهبه ورأيتني أناشدها: مدي يا ريح كفيك لا تجعلي أيامي تشبه الوداع دعيني أطلق شغفي عبر الأودية المزهرة فتبزغ من شقوق الأرض سنابل القمح، يترع السهل ماءه ويزدهي المكان والزمان
أقلقت ابتسامتي ترف كما النوارس البيضاء تداعب موجاً يعلو وموجاً يهبط ورحت أصغي إلى هسهسة الرمال توقظ ذراتها من سباتها توشوشني بكلمات خضراء وكان خيط الشمس يخضر مع كل وشوشة.
لفحتني نسيمات ندية كانت طيور النوارس تجوب المدى فعلمت أن الله حشر هذا اليوم الطري في قلب الظهيرة كي تحلق طيور النوارس فرحة وهانئة فقلت في نفسي: أي سر تختزنه يا بحر بين طياتك؟ فها هي النوارس لا تغادرك وها أنا وبدون أن أدري أرغم على العودة إليك كلما عصف بي عاصف فأخافني إنك يا بحر مملوء بروائح الخرنوب والكباد والمراكب والنوارس والأمواج.
أتشهى حضورك الآن يجيش حنيني فأركل كلمات تورق النبض في الأوردة خطواتي إليك تغوص في لهفتها وتعشب كما الريحان وأراني ألملم ارتباكي وأرتعش كأمنية كلما دنوت منها ابتعدت فعدت بعمري إلى عمري ورأيت الذي نالني فيه فعجبت من أمة تمتد وسع المدى وهمها الطأطأة وحمل أثقال سادتها وعجبت أكثر من مباهاتهم بما ينجزونه- ولو كان تافهاً فتذكرت ما قاله الأديب ميخائيل نعيمة : إياكم والفضيلة القوقاء، دجاجة تحضن بيضها واحداً وعشرين يوماً لتصنع عجينة وأخرى تضع بيضة تظل توقوق حتى تسمع الدنيا بأنها باضت، إنها حسنة تعلن ذاتها لأسوء من سيئة صامتة، وأن فضيلة صخابة أسوأ من رذيلة ساكتة
- عدت للبحر تمليته شطاً ومدى، أحسست بالقصيدة تحبو فقلت:
كلما عاتبته             قال لي: ما أظلمك
عمري أفنيته           ساهراً كي أحرسك
وأراني باكياً            كي أداري أدمعك
مثقلاً في عتمتي      جئت أمحو عتمتك