آفاق مفتوحة أمام المرأة السورية ألا تســــتدعينا وقــائع اليوم وحمولتهـــا الــزائدة أن نفكر بفنون الحياة؟

العدد: 
9178
التاريخ: 
الأربعاء, 29 آب, 2018
الكاتب: 
هدى علي سلوم

لا تكتفي المرأة السورية  بأن تكون طبيبة ومهندسة ومديرة ومعلمة، مراتب ومنازل تسعى جاهدة إليها كما الرجال، بل تفتش بين أوراق أيامها عمّا يحقق لها حضوراً وتميزاً لتمسك بأطراف الكمال والجمال، وإن أمسكت بيمينها سرير طفلها تهزّه فهي تمسك بيسارها ركائز بيتها، وتهزّها لتنفض عنها سنين جفاف عجاف، فتتبرج بمهن وأعمال تكسوها رونقاً وعطراً تتخايل به كما وردة مخملية يضجّ شذاها في الفضاء.
طالبات مدارس وجامعات وربّات بيوت ومعلمات ومهندسات و.. يقصدن يومياً مركز تنمية المرأة (المساحات الآمنة) لجمعية تنظيم الأسرة في الرمل الشمالي، مكان يضج بالهدوء والسعادة والحياة، حيث سفح الأحلام يفتح ذراعيه لفرح أيام قادمات.


نور خدوج - فتاة جامعية سنة ثالثة فلسفة، إحدى المتدرّبات في دورة الصوف: أشارت على أن الفتاة اليوم يجب أن تلم بجميع مهارات وخبرات الحياة، ولا تكتفي بتعليم جامعي وغيره وإن كانت متفوقة، فهي ستكون أماً وتتقلد مناصب عرش بيتها ومناسك العيش، ولا يضريها أن تزينه وتزيد فيه حسناً وبهاء، وتابعت لتقول:
هذا العام شاركت بدورة الإسعافات الأولية، وأنوي المثول في دورة الكوافيرة، واليوم تجديني في دورة الصوف، وهذه المهنة أحبها ولدي هواية وشغف بها، صنعت طاقية بفنية خاصة بي راقت لرفيقاتي اللواتي طلبنها مقابل المال، فكان أن أهديتها لإحداهن  على الرغم من أني آخذ مصروفي من والدي، فالجامعة تتطلب منّا الكثير، فالمحاضرات تكلف عمّا يزيد عن 6آلاف ليرة على الرغم  من أني أكتب ما ينطق به أستاذ المادة، كما أن الكتب أقلها 500 ليرة ويزيد بعضها إلى الألف ليرة، وغيرها الكثير، ألا تستدعينا وقائع اليوم وحمولتها الزائدة أن نفكر بفنون الحياة؟
ورفيقتها آلاء عبد القادر - صف عاشر، أشارت بأنّ والدتها لا تعرف نسج الصوف، فأرادت أن تتعلمه وتنسج لنفسها بلوزة رأتها تتصدر واجهة  أحد المحال بسعر يفوق قدرتها وحتى الخيال .
وإلى جانبها السيدة عزيزة المصري_ ربّة منزل وزوجها احتياط، جاءت لتكتسب الخبرة بشغل السنارتين لما تحتفي به من تنوع في القطب تضفي على القطعة كل جمال، وتفكر أن تعمل وتعلم صديقاتها في الحي الذي تسكنه .
المدرّبة هدى كوراني في دورة الصوف - مدرّسة متقاعدة ومهجّرة من إدلب، تعمل في المركز منذ سنتين تقريباً، وهي لطالما أحبّت شغل الصوف بسنارتين في أوقات فراغها وفي الشتاء وحتى الصيف لأجل أولادها، كما أنها تجيد الشغل بخمس سنارات لتكون مفارش أسرّة وطاولات و إضافة إلى شغل الكروشيه والكنفة ..فهي قد تعلمتها ولم يكن عمرها ليتجاوز الست سنوات، وتؤكد بأنها مهن لا يخفيها ضباب الأيام، بل تتجدد وتزداد رونقاً بيد من يحتاجها لغدر الزمان، وفيها ما يردّ الحاجة والسؤال، كما أنها تبعد ناسها عن الثرثرة واستغلال أوقات الفراغ بما هو مفيد وجدير بالاهتمام، فبلوزة لطفلة صغيرة لا تكلف غير ثلاث كبات صوف بألف ليرة، وتجديها بالسوق بأضعاف ومزاودات، كما أن شغل الصوف لا يشكل عبئاً على متقناته إذا ما أردن العمل، فلا يحتجن لسيولة مالية ولا قروض، ولا حتى لوازم ومعدات مثل الكوافيرة أو ماكينات كالخياطة، فاليد الجميلة الخيرة تحمل السنارة وتحيك بكل سهولة وليونة سترة الحال.
السيدة بتول بصمه جي - رئيسة مركز تنمية المرأة (المساحات الآمنة) لجمعية تنظيم الأسرة، أشارت إلى بدايات عمل المركز والخدمات التي يقدمها، فقالت:
بدأ المركز أعماله في شهر تشرين الثاني عام 2016 في حي الرمل الشمالي، وتتردد عليه يومياً ما يزيد عن عشرة نساء يومياً للسؤال والاستفسار عن مهنة تجول في خاطرهن والبال، يسجلن  ويجلسن للمشورة والاستفادة من حلقة الدعم النفسي، وقد وصل عدد المستفيدات من الدورات القائمة في المركز إلى الثمانين، وتابعت:
يقدم المركز خدمات فيها التعليمي والمهني إضافة إلى الدعم النفسي الذي يهدف إلى كشف العنف القائم على النوع الاجتماعي، فالخدمات المهنية تأتي في الخياطة والكوافيرة والإسعاف الأولي والصوف، أم التعليمية فهي: محو أمية ولغة إنكليزية بمستويين، ولدينا كل ثلاثة أشهر ست دورات خياطة ومثلها كوافيرة، وواحدة أو اثنتين صوف ومثلها إسعاف أولي، والجديد عليها في هذا اليوم، أننا أضفنا دورات للماكياج وتصميم الأزياء.
وفي الجنب الآخر للمركز تشد انتباهنا فتيات جميلات منشغلات بورق ورسوم ومقص ..
مريم غنام ولينا خندرية - خريجات جامعيات، مريم لم تحظ بوظيفة على الرغم من ضجيج إيقاع المسابقات في هذا العام، وقد فوتت فرصة العمل فيها جميعاً لأجل أنها خارج محافظتها ومدينتها، وجاءت لتشغل وقتها في الخياطة التي تحبها، فقد تعلمت اليوم الكثير من مبادئها ومعارفها علّها تجد المنفعة والجدوى، أمّا لينا فقد حازت على فرصة عمل في التعليم بإحدى المدارس، لكنها لا تكتفي بها فهي مولعة بالخياطة منذ صغرها، ويشتد عليها شغفها إذا ما رأت قطعة من الملابس في أحد المحال، واليوم هي تستطيع طبعها في خيالها لتسرع في قصّها وحياكتها ولا يثنيها عن مقصدها شيء، فالخياطة عندها ليست هواية فقط بل شغل وجد، حتى أنها في أحد السنوات القادمات ستقيم داراً ومشغلاً للخياطة تقصده جميع الصبايا اللواتي يبغين التميز والجمال.
أم صلاح وزينب حناوي - من ربّات البيوت، لديهما العائلة والأولاد الذين يتطلبون منهما ما يزيد في سوء الحال، وهو ما دفعهما إلى التعلم وكسب الخبرة والمعرفة في هذا المجال، أم صلاح تؤكد في قولها على أن تعلمها يأتي خيراً إلى الأولاد أما زينب فهي قد عملت في هذا المجال بأحد المشاغل، لكنها تبغي العمل لوحدها ليكون لها شغلها الخاص ومشغلها، حتى لو كان بيتها هو المكان، وما تلبسه اليوم هو ما صنعته كلتا يداها، سيكون الكثير في الأيام القادمة.
المدرّبة دالين حيدر_عضوة في الجمعية السورية لمصممي الأزياء، وتسعى في تحقيق حلمها الذي نضج في مكتب تصميم أزياء وخياطة، أكدت على أن مصممي الأزياء في اللاذقية مهضومة حقوقهم  ومغبونين، إذ إنهم مبعدون عن المعارض وسوق الجمال والتجميل، وأشارت إلى الجمال كله في فتيات مركز تنمية المرأة، حيث نجد فتيات ونسوة بأعمار مختلفة ومتباينة وبمستويات تعليمية وثقافية وبيئات مختلفة وبألوان طيف النسيج السوري متناغمة بتشكيل غاية في الروعة والجمال، وتابعت:


تعرفت على المركز وعملت فيه كمدرّبة خياطة منذ ما يقارب السنتين، ولدينا اليوم ست مجموعات اثنتان منها تصميم والباقي خياطة في ثلاث حصص بالأسبوع، لثلاثة أشهر، وتحتضن دورة الخياطة هذه ثماني صبايا، تعلّمن فيها المبادئ الأساسية والقوالب التي تحتجنها التنورة والفستان الضيق والأكمام و.. الكات أي البلوز القطع بلا أكمام، وكان في هذا العيد أن صنعت بعض الفتيات ثياب العيد لأولادها، وبعض خريجات دوراتنا فتحنا مشاغل تفصيل وخياطة مثل: سميرة عاقل، وليندا حيو، وابتسام الشاطر، .وأيضاً نور عبد الرحمن، فتحت مصراعي باب بيتها لأجل أن يتحقق حلمها في مشغل خياطة، وأضافت: تعاني المتخرجات من سوء وضعهن المادي المتردي وتجدن صعوبة بالغة في تأمين مكان العمل ومستلزماته والماكينة، وهنا نتمنى لو تجد بعض منافذ الحلول والمساعدة، حتى لو كانت بشروط وطأتها خفيفة، فهل يكون لهن عمل في مشغل تابع للجمعية، ويشاركوه في معارضها وأن يكون لهن تأمينات وغيرها تحفظ لهن ماء الوجه.  وتبشر فتياتها بأنهن على موعد مع معرض قادم بإذن الله .؟؟
ألفت سعيد - مصممة اكسسوار، جاءت اليوم لتعلم الخياطة، مع العلم أنها تحمل شهادة الدبلوم في اللغة العربية، وكانت أن قصدت دمشق لأجل الماجستير، لكن أحلامها تبعثرت من أول حجرة رصدت طريقها في الكلية بعد أن اختارت علم اللغة عنواناً لرسالتها، ولفت انتباهها لغة الأزياء، والتي وجدتها من أكثر اللغات المؤثرة بالإنسان، قالت: الحياة نص قابل لتحليل، وجدتني فيها أبحث عن نفسي وذاتي التي لاقيتها في عالم الأزياء، دخلت مدارسها وكان فيها الاختلاف الذي يضفي الخبرة ويضيف عليها الجديد، فكل يوم فيه جديد وتجديد لنبقى طوال عمرنا نتعلم ونقول إنه لقليل، تعلمت الاكسسوار في برنامج  أكاديمية إيكارد ومركز الرضا بدمشق، حيث تضمن البرنامج (مشروعي بإيدي) العديد من المهن، واليوم أعمل وأنتج في البيت الذي أسكنه مع العائلة، وكان أن شاركت بأول مجموعة اكسسوار بيوم الموضة وقد لاقت الإعجاب، واليوم لدي هاجس بدمج الخياطة والاكسسوار فهما ينسجمان مع بعضهما ويتماهيان، وكلما وطأت قدمي أبواب محال الكلف ومستلزمات الخياطة أجد ما يشدّني لنشله من العلب وتتراءى لي الأفكار وتتدفق في صور وأشكال لتصاميم اكسسوار، مجال واسع أجد نفسي فيه وآمل أن يكون لي حيز فيه ومكان   
 

الفئة: