قصة وطن..من تراب أرض لا تميد

العدد: 
9178
التاريخ: 
الأربعاء, 29 آب, 2018

خلف جدران بيت ريفي، وتحت سقفه الدافئ، تحتشد حياة وتنضح بأسرار كون وحكايا وطن، وتضجّ بخفقات قلوب صغيرة، متبرعمة في عوالم زاخرة بأعراسها المضيئة ..
ثلاث صغيرات من ملائكته  بين أحضان وطن، افتداه رجل من رجال الله على الأرض، ليبقي في الدنيا حضوراً ووهجاً، بل إبداعاً خالصاً وتضحية وشهادة،  كما في قول القروي:
  إن أفلت نجمة عمري فقد       تطلع في الأرواح مع كلّ جيل
كانت زيارتنا  لبيت الشهيد ربيع محمد سعد الدين، نافذة يطلّ منها الفرح، وتتألق شعلة الروح بالحلم والأمل، نفتحها لنرى ثلاث صغيرات، يتوسدن أريكة في دار جدّهم، وقد أشرقت وجوههن بنورها علينا، وعيونهن الدافئة امتلأنا بها، لتشع على وجوهنا وكان أن استقبلنا جدهن وجدتهن ووالدتهن، ليهمسوا في آذاننا أغانٍ عشقهم للوطن، وقصائد حبّ يزخر بها تاريخ أورق من دم طهور لأبنائهم، في تراب أرض لا تبيد ولا تميد، فأينعت زهوراً حمراء أهدوها لنا رسائل حبّ وبقاء ..
زوجة الشهيد - ريم أحمد، قالت والدموع تتكابر في العيون وتفيض في القلوب:
رحم الله الشهداء أجمعين، ورحم زوجي الذي ترك لي صغيراتي الجميلات، لقد كان من أبناء الله الصالحين وأحبه الناس أجمعين من أصدقاء وأهل وأقرباء، لم نكن لنقيم عرساً عند زواجنا، ولكننا أقمناه في عرس الشهادة، وكانت أن وهبتني السماء من أقمارها ولآلئها وكنوزها نجمات ثلاث، تضيء عليّ دنياي، بعد غياب الأحبّة ورحيلهم إلى ملكوت الله ..
تابعت: منذ زواجنا كان يسألني الأولاد، وعندما علم بحملي، أسرع في إجازة يقضيها بقربي يتبصر بعض أحلام،  ورافقني إلى الطبيبة التي أكدت أنهما بنتان، فغافلني بضحكة ملأت قلبه فرحاً وطرباً، زادتنا ألقاً وجمالاً، وسألني ألا أذهب إلى الطبيبة إلا عند إجازته التالية، وكان فيها أن أخبرتنا أنهن ثلاث، هنا صرخ من شدة فرحه ونادى (يا الله ما أكرمك)، وأنا قلت للطبيبة : أخاف أن آتي في الشهر القادم وتقولي أربعاً .. وهو قد أمسك بيدي يشدها ولم يكن ليتركها، إلى أن خرجنا من العيادة، وأراد أن يحملني ويحمل بناته، ليضمنا جميعاً بين أحضانه الدافئة، ويرفعنا عالياً بين نجوم على أكتافه وأقمار سماه، وقال:
ما أسعدني بك يا ريم، أحسّ أني أملك الكون مع عائلتي الدافئة الحنونة، ليتك يا ريم تلدين باكراً في الشهر السابع، كم أشتاق لفراشاتي التي ستلون حدائق دنيانا زهراً وشهداً على مرّ الأيام، سأكون الأب والأخ والصديق لهن، سألهو معهن وأحلق بهن في كل مكان وحديقة ألعاب، وأرافقهن إلى المدرسة والجامعة، آه متى يأتي هذا اليوم وذاك العيد؟ كم أشعر أنه بعيد وسأعدّ الأيام والساعات، ليتني ما إن أغمض عيناي حتى يحين الوقت، وأراهن حولي يتراقصن نغماً وغنجاً، ترى من يشبهن ؟ ليتهن مثلك حبيبتي، وسأكون أسعد إنسان ..
عندها انجرفت دموعها تشق طريقها على الوجنات، لينقبض صوتها ويجف الكلام، وبعد وقت ليس بقصير، تابعت قائلة :
استشهد ربيع .. وكنت في أواخر الشهر السادس، ولم ير بناته إلا في الأحلام، بيتنا يسكنه عطر ربيع، وقد رافقني بعضاً منه في جاكيته التي اكتنزت بأنفاسه، ولم أغسلها وخبأتها إلى يوم الولادة، حيث لففت بها صغيراتي منذ شهقتهن الأولى للحياة، ليتدفق نبض ربيع  وطيبه في براعمي الصغيرة، وتنمو على مائه وهوائه وفي ترابه، الذي تناثرت بين خلاياه حبيبات دمه لآلئ تضيء لهنّ الطريق والأحلام ..
والد ريم، أكد بقوله:
 ربيع كان ولدي وزوج غاليتي ريم، لقد كان ربيع ورفاقه يمثل إرادة شباب متحمس، يعشق الحياة ويقدس الأرض ويمجد الوطن، محياهم متسم بالبطولة وبالاستشهاد أيضاً، فإننا بأفعالهم نرفع رؤوسنا، ونفتخر في أعماقنا بهاماتهم وشموخها، ونعتز بكرمهم وشهادتهم إذ هي تشعل شموع أملنا لغد جديد .. وعهداً منّا سنصون الأمانة وبناتنا عزيزات مكرمات إلى يوم الميعاد، لقد غادرنا ربيع ليبقى مقعده في الانتظار.

 

الفئة: