«العصمة لا تكون إلّا لنبيّ»

العدد: 
9177
التاريخ: 
الثلاثاء, 28 آب, 2018
الكاتب: 
حســــن عــــــلان

كان يحاول دائماً إقناعي بأن القوانين والأنظمة التي تعطيه صلاحيات مفتوحة هي سليمة مائة في المائة، ولا تحتاج إلى إعادة نظر أبداً، كنا صديقي وأنا نناقش تلك الأمور عندما نستعرض قضايا تتعلق بطلاب الجامعة والامتحانات، وما يتفرع عنها من أعمال امتحانية وأهمها تصحيح الأوراق الامتحانية الجامعية (الدفاتر)، وعدم السماح للطالب مهما كانت أجوبته على أسئلة الامتحان صحيحة، بأن يتقدم بطلب إعادة تصحيح دفتره الامتحاني، كانت تجمعنا مؤسسة تعليمية واحدة هي الجامعة، زمالة إلى حد الصداقة، كانت الصراحة بيننا تسمح لنا الخوض في مثل هذه الأحاديث والغوص فيها حتى العمق، وفي كل مرة كانت تنتهي جولة المناقشة إلى خسارتي أمامه من دون أن أسجل نقطة واحدة لصالحي، لأنه مسلح بالقوانين والأنظمة التي تحميه وتعطيه حق التصرف بحرية تامة.
كلامي هذا ليس تشكيكاً بأحد، ولا اتهاماً لأحد، لكن يتوجب علينا الإشارة إلى القوانين والأنظمة التي تحتاج إلى إعادة نظر بما يتناسب ومراحل العصر من تطوير وتحديث.
سأقدم للقارئ الكريم موازنة حقيقية من أرض الواقع، ما بين الماضي القريب، عندما كان ابن صديقي صغيراً، وأيامنا حيث أصبح الولد شاباً كبيراً، وصار طالباً في إحدى كليات الجامعة، وأصبح بحكم الواقع خاضعاً للقوانين والأنظمة التي كان والده مسلحاً بها، طبعاً هذه الموازنة ليست فردية لحالة بين شخصين، بل لواقع نعيشه كلنا، وينسحب على نسبة كبيرة من المدرسين والطلبة أبناء الأصدقاء الأساتذة وغيرهم، الذين يعانون من المرض ذاته، لا بل كل من يدخل في عداد طلاب الجامعات عندنا يتأثر أحياناً سلباً بتلك القوانين المطبّقة أصولاً، والتي تعطي أساتذة الجامعات صلاحيات مفتوحة وتحرم الطالب حق إعادة التصحيح حتى ولو كانت نتيجة إعادة التصحيح ستغير وضعه أو تدمر مستقبله ويصبح في الشارع.
سأعود ثانية إلى زميلي وصديقي الذي قلّما كنت أستطيع أن أجعله يقتنع ولو مجاملة بأن تلك الصلاحيات الواسعة المعطاة له تحتاج إلى إعادة نظر، لأن المدرس أولاً وآخراً هو إنسان ومن الممكن بل من الطبيعي أن يُخطئ ولو عن غير قصد لأن العصمة لا تكون إلّا للأنبياء والرسل عليهم سلام الله، ومعنى العصمة هنا: اجتناب المعاصي، أو عدم الوقوع في الخطأ، وفي تلك الحالة أي وقوع الخطأ، يكون الطالب الجامعي قد ضيع من عمره سنة دراسية كاملة قضاها بالجد والسهر والمثابرة.
 في إحدى المرات جاء صديقي الأستاذ غاضباً بعد أن علم أن ابنه رسب في أحد مقرراته التي سهر على حفظها، ودرسها كثيراً ويستحق النجاح فيها حسب رأيه كأب، وتقدم ابنه بطلب إلى ديوان كليته لإعادة جمع العلامات (حسب ما هو متاح) لكنه لم يستفد شيئاً.
 كان الأب غاضباً جداً، ويحاول الاعتراف بطريقة غير مباشرة، بأن القوانين والأنظمة بالصلاحيات اللامحدودة المعطاة لمدرسي الجامعات تحتوي جانباً مجحفاً بحق الطلاب، وخاصة الفئة المجدة ممن يدرسون ليل نهار ويرسبون أحياناً.
جلست أستمع له وأستمتع بما يقوله، وكأنه أخذ دوري في الحديث، ومغزى كلامه كان تعاطفاً مع وضع ابنه، الذي كان يدافع عنه كأب، وليس كمدرس، نسي أنه وضع نفسه بين بين، وانقّلبت الصورة تماماً، في الأمس كان يفتخّر بتلك الصلاحيات المعطاة له كأستاذ جامعة واليوم ينتّقد وبشدة كأب، لأن الجانب المجحف أصاب ابنه، يا سبحان الله -هكذا الدنيا- وهكذا البشر.
قال لي بصوت خافت: معك حق يجب أن يُعاد النظر بمضمون تلك القوانين، لأن هناك البعض ممن يفسرون ويفهمون تلك الصلاحيات على هواهم، ويمارسونها على الطلبة وأولهم ابني، لطالما أن المدرس إنسان، وهو معرّض لأن يخطئ، وهذا الخطأ قد يؤثر على مستقبل طالب جامعي، ويضيع جهوده سدىً.
ومن أجل إنصاف الطالب المجدّ والواثق أن هناك من ظلم وقع عليه وأدى إلى رسوبه في مقرر ما وحرمه من التخرج أو الترفع أو أنه أصبح خارج الجامعة لأنه استنفد فرص النجاح ولا يحق له العودة إلى الجامعة إلا بمرسوم قد يصدر وقد لا يصدر.
في هذه الحالات وغيرها نتمنى على المجالس المختصة في وزارة التعليم العالي إعادة النظر بتلك الحالات وتعديل الصلاحيات، وإعطاء الطالب الجامعي حق التقدم بطلب رسمي إلى ديوان كليته ضمن مهلة محددة لإعادة تصحيح دفتره الامتحاني الذي رسب في مقرره فقط من قبل لجان متخصصة وبشروط مشددة جداً وبأجر مادي مرتفع، وخاصة في الأوضاع التي تغيّر وضع الطالب فقط (ترفع- تخرج- استنفاد).