وقـــال البحـــــر..أعـــــدّ أصــابعي

العدد: 
9177
التاريخ: 
الثلاثاء, 28 آب, 2018
الكاتب: 
ناصر هلال

أعدّ الأيام على أصابع يدي، وعليها أيضاً أعدّ أصحابي وأحبابي، وفي يوم ما لن أعدّ على أصابعي سوى أصابعي . .
الشاعر الفرنسي فاركنتيك
منذ أن صار للأوقات أدراج وسلالم، وأصابع تمسك بالدرجات، وتصعد إلى أعلى الطوابق، لم أعد أعدّ على أصابع يدي سوى أصابعي، جميع الذين كنت أعدهم على أصابع يدي فرّوا عن أغصان أصابعي، ورحلوا بعيداً كالطيور المهاجرة، أو ربما ما زالوا هنا، في مكان ما، وأنا لا أراهم، وإن أردت أن أراهم لا أراهم إلا في مرآة الخيال، أو منتشلين من بئر الذاكرة كالثمار المجمدة منذ أربعين عاماً.
أيتّها الذاكرة الرائية الكاشفة كوني أبداً رائية كاشفة كي لا يأتي اليوم الذي فيه أنسى عد أصابعي، كما نسيت أشياء كثيرة وأنا في الطريق إلى وحدتي - بيتي - حيث هي الوحيدة الباقية التي لا تقبل العدّ أو التقسيم، أو المشاركة في لملمة الخواتم المخلوعة من أصابع الأحباب والأصحاب وهي الوحيدة التي تأويني ولا تسألني كيف تتاجر بالوقت.
من يفتي بموت الذاكرة كي يعيش الوقت، يفتي بموت الأغصان والجذور التي نزرع عليها المشاعر والأحاسيس ويفتي بإغلاق أو إحراق ألبومات الصور القديمة التي فيها وجوه الأحباب والأصحاب الذين كنّا نعدّهم على أصابع اليد ونحرص أن لا نضيّع العدّ، أو نكتب اسماً بدلاً من اسم، أو رقماً بدلاً من رقم.
الآن ذاكرتي أصابعي.. شجرة الألبوم التي من على أغصانها أقطف صور الوجوه والأسماء وأدع للوقت تحديد الأفعال.
 هذا الذي يلاعب سيجارة الدخان البلدي بين شفتيه مثل كرة ممغنطة اسمه /وجيه/ وقد رحل قبل أن يدركه الوقت ويصير من رجاله.
وهذا الذي يتكئ على ذراعه وفي عينيه يقظة ونعاس اسمه/وحيد/ وقد هرب مبكراً إلى قريته البعيدة في جرد القلمون، بعد تناحر وقتال على ملكية الله.
 وهذا الذي يرتدي بزة عسكرية وبيده بندقية مصوبة نحو مرصد جبل الشيخ اسمه /سليمان/ وقد أعطى البندقية وجعبة (الخرتوش) لابنه الضابط الذي يتنقل من موقع قتال إلى آخر.. وبندقية والده تربص على مقعد الدبابة التي يقودها ... ولا يهمه من أصابع الوقت إلا عدّ الرؤوس الفارغة التي تتدحرج مع كل ضغطة على الزناد.
وهذا الذي كنا نلقبه بالحكواتي المخيف لكثرة ما كان يروي الحكايا والقصص عن الجن والعفاريت التي تسكن المقابر والغابات اسمه/حسيب/ وقد عرف كيف يحسب الوقت جيداً وأصبح جنياً أو عفريتاً لا يفرق ما بين تراب المقابر وتراب المزارع، ولا بين أشجار الغابات وأشجار المصالح.
وهذه التي تقمط شعرها الأشقر الجميل بمنديل مطرز بقلب مراش بسهم.. وفي عينيها لحاظ تأسر القلب اسمها ديمة/ وقد تحولت مع الوقت من ديمة سكوب كما يقول /نزار/ وكما تغني فيروز.. إلى غيمة شائخة... في عينيها انكسار وذبول وفي أثدائها أصماخ وشروخ وبقايا أصابع لا تحمل سوى التآليل.
وهذه، وهذا وجميع الذين كانوا يلبسون الأصدقاء والأحباب كخواتم الزينة في أصابعهم... خلعوا خواتمهم من أصابعهم كالنساء المطلقات ولم يعدّ ما يعدونه على أصابعهم سوى مصالحهم.
وأنا ماذا يمكنني أن أعدّ على أصابعي سوى أصابعي؟ قد لا أعرف قد أبحث في خوابي الأوقات الماضية عن رشفة في بقية وقت.. ما زال يحتفظ بطعمه ولونه وزهوه وفيوض محاسنه وغناه وإلى أن أجد مثل هذا الوقت أو يعود كالتائب من تلقاء نفسه أتابع العدّ على أصابع يدي.