الحجم والحاجة

العدد: 
9177
التاريخ: 
الثلاثاء, 28 آب, 2018
الكاتب: 
نعيم ميا

هكذا نحن وعلى هذه الهيئة التي لا يستطيع أحدٌ ما أنْ يُنكر أنّنا لا نملكُ إلا بمقدار ما نحتاج، وأمّا ما نعيش به خلال حياتنا فهو ليس ملكنا بل إنّه ملك الحاجة التي تجعلنا نعيش ونستمر.
للأسف البعض يُفسّر متطلّبات العيش بالكثير، والبعض يجعل القناعة شعاراً له ويُدرك تماماً أنّه ليس بحاجة إلى ما يزيد على مقدار الحجم الذي يتناسب مع إدراكه لذاته التي يختلف إدارك كلّ منّا لها، ومن هنا نجد الاختلاف في تقدير مفهوم الحاجة وكذلك مفهوم الحجم.
وإنْ كان بالإمكان تناول هذا الأمر وأخذه بطريقةٍ ما على المفهوم الفيزيائيّ، ولكنّنا لا نبتعد كثيراً ولا قليلاً عن هذا المفهوم الفيزيائيّ ولا حتى المفهوم الإنسانيّ والحياتيّ الذي نحن بصدد تناوله اليوم، فهل يمكن لأيّ كان أنْ يقول إنّه سيشرب كامل هذا الماء الذي أمامه لأنّه سلسلٌ عذبٌ، أو أنّه سيتناول أطايب الثّمار التي حملتها أشجار هذا البستان أو ذاك لأنّها شهيّة لذيذة؟
لا أظنّ أنّه بمقدورنا استيعاب هذا الأمر، إذْ من غير المعقول أنْ يُفكّر الإنسان العاقل هكذا، ولكنْ إذا ما أمعنا النّظر وعمّمنا الخبر على تفاصيلَ حياتيّةٍ، وجدنا أنّ الإنسان لا يُجيد الفصل بين الحجم والحاجة.
نعم إنّه لأمرٌ في غاية البساطة أنْ نتعلّمَ الحقيقة ونُدركَها، وقد يسأل سائلٌ: هل الحقيقة علم ليتعلّمَه المرء؟ وأجيبه: نعم إنَّ الحقيقة علمٌ، فكلّ ما يقوم على الفكر وإعماله في الوصول إلى الغاية والمبتغى يُعدّ عِلماً، وهذا ما يُمكننا أنْ نُسميّه أيضاً الوصول إلى المعرفة ولا يتمّ ذلك إلا من خلال العلم، أيْ أنّ المعرفة علم، والحقيقة علم، والحياة تقوم على إدراكنا أهميّة العلم، هذا العلم الذي يكون علماً بالشّيء، وعلماً يُحيط بالشّيء، وعلماً يُدركُ كُنهَ الشّيء، وهكذا. . . .
وهنا لن أدخل في تفاصيل سنتركها لأيامٍ قادمة ونتناولها بكثير من البحث والتقصّي حول هذا المفهوم القائم على العلم بالشيء أو الإحاطة به وإدارك كنهه، لأنه ليس من الأمر السهل والبسيط أن يكون الإنسان عالماً من جهة ، ولا مُدركاً الأشياء من جهة ثانية، فكيف به إذا أدركَ أنّ ثمّة حاجة تدعوه أن يبحث في هذا الشيء؟!
وبالعودة إلى مفهومي الحجم والحاجة، فما حاجتنا للماء إلا بمقدار ما تستوعبه خلايا الجسم لتمتلئ فتعود علينا بالحياة التي نحتاجها، وكذلك الهواء والطّعام وإلى ما هنالك من أسباب تمدّنا بالطّاقة والحياة، لنُدرك أو نصلَ إلى حجمنا الذي علينا أن نعيَه كلَّ الوعي لا بعضه، الحجم الذي يبتعد عن الماديّات الملموسة ليصلَ إلى الحاجة المعنويّة التي تجعلنا أكبر حجماً كما تجعل منّا حاجةً، أيْ تنتقل بنا من سعينا نحو تلبية حاجتنا لنصل إلى أنْ نكون حاجةً بشكلٍ ما، وطريقةٍ ما.
نعم. هو حجمنا الذي لم ندركه لأنّنا لم ننتبه إلى أنّه ليس بالمحدود ولا المقيّد في الزّمان والمكان، بل هو الحجم الذي يبدأ من سؤالٍ بسيطٍ ألا وهو: (مَنْ أنا؟) في هذا العالم الذي جعلني أُشبه الكثيرَ شكلاً، فهل جميعنا متشابهون مضموناً؟ ولطالما الجواب سيكون بالحتميّة (لا) إذاً ما حجم كلّ منّا؟
يكون الحجم عادةً مرتبطاً بالمعرفة التي تعود على المرء بالسعادة، فحجم امرئٍ ما لا يكون إلاّ بمقدار ما امتلك من أدواتٍ تعود عليه بالنّماء، فكما السّنبلة تمتلئ بالحَبّ، فتعود عليها بحجمها، لتُدركَ حقيقةَ هذا الحجم، بأنّه مَن سيَهَب الآخرين الحياة، وأنّه سيعود إلى التربة مرّةً أخرى لتتشكّل منه سنابلَ جديدةً، تمدُّ أجيالاً جديدةً بمعرفةٍ أكثر ، تجعله قادراً أنْ يُعيد إنتاج الحياة، ويجعلها ذات المفهوم الحقيقي الذي علينا إدراكه، ألا وهو أنَّ الحياة ليست بالجديدة وحسب بل إنّها حياة متجدّدة، وكذلك متعددة.     
لا يستطيع الإنسان العاقل أنْ يبتعدَ كثيراً ولا قليلاً في الرّبط بين العلاقة المترابطة والمرتبطة ارتباطاً ليس بالماديّ وحسب بين الحجم والحاجة، بل إنّه الارتباط المعنويّ الذي يجعلنا ننتقل من حاجتنا إلى أنفسنا إلى الحاجة إلى غيرنا وحاجة غيرنا لنا، وعندها إذا استطعنا أنْ نصلَ إلى هذه التّشابكيّة من الإدراك الحقيقيّ انطلاقاً من العلم بالشّيء الذي أدركنا كُنهه، عندها فقط بمقدورنا أنْ نقول: إنّ ثمّة علاقة بين الحجم والحاجة.

الفئة: