قصـّــــــة مفتوحــــــة

العدد: 
9177
التاريخ: 
الثلاثاء, 28 آب, 2018
الكاتب: 
نور نديم عمران

إيلينا طفلة صغيرة من عمر الياسمين. . . . نقية كنقائه..دافئة كالنسمات المحملة بشذاه. . . . إيلينا بأشهرها الثمانية بثوبها الوردي وابتساماتها الطفولية. . . . .نظراتها البريئة تبث في النفس عشقاً وحباً للحياة،جسدها الصغير يتراقص مع تموجات النسيم. . . . ترقص.. تبتسم. . . . تزرع الدار بصوتها وأغانيها بهجة. . . .
إيلينا... إيلينا....
تستيقظ لتودع من يذهب إلى عمله أو دراسة؛ تستقبل العائد بقبلة. . . . كانت تزرع الأمل في قلوب الجميع خاصة والدها  (آدم عجيب )  الجريح المصاب في حرب البلد ضد الإرهاب...
  كانت تحتضنه وتنتظر أن يقدم لها قطعة الحلوى التي تحبها..
فتضحك الأم وتقول :يا ربّ ارزقها أياماً أحلى من أيامنا...
وهكذا تمضي الطفلة أوقاتها وهي تعرف أنها أهم شخص في العائلة ومركز اهتمامهم لذا حين تعبت في  اليوم الثاني من شهر آب الحالي . . . . انشغل الجميع واغتموا لأجلها وسارعوا بها إلى الطبيبة (حلا) على الرغم من كون الأمر لم يتعد إسهالاً عادياً لم يترافق بأيّ حرارة أو إقياء أو...
لكن الطبيبة قررت أنها حالة مستعصية وقد تصاب بتجفاف إن لم تسعف الفتاة إلى مشفى خاااص...
وحين طلبت الأم إسعافها إلى المشفى الوطني رفضت الطبيبة لأنهم هناك لا يهتمون بالمريض ولا يعرفون كيفية الاهتمام بطفلة رضيعة..
ولأنها كانت مستعدة لتنحت في الصخر لتؤمن لابنتها العلاج حملت الأم ابنتها بعد ما هتفت طبيبتها للمشفى الخاص في جبلة ليحجزوا لها غرفة..
وهناك يطول انتظار طبيب التخدير لأن ليس ثمة من يتقن فتح وريد لإعطاء الطفلة سيرومات العلاج...
وينقبض قلب الأم حين يأتي الطبيب فثمة ذكرى حادثة سيئة لها معه.  
وتبدأ رحلة المعاناة بين قلة خبرة الممرضات وعدم جاهزية المشفى وبين قلة الإنسانية من الأطباء المعالجين. . . . .
وبعد وقت طويل ينتبه الفاشلون إلى أن فتح الوريد تم بشكل خاطئ وأن الصغيرة لم تستفد منه  لساعات من  العذاب والأنين الطويلة ..
ولم تشفع لها طفولتها وآلام أمها وتوسلاتها للمناوبين ليحضروا طبيباً مسعفاً في الليل..
وتسوء حال الطفلة عند الصباح فتقرر الطبيبة حلا التي جاءت عند وصولها أن تنقلها إلى مشفى الأطفال في اللاذقية لأن هذا المشفى غير مؤهل لاستقبال المرضى والعناية بهم... وتساوم الأم على أجرة مرافقتها للطفلة أثناء إسعافها إلى المشفى الوطني. وترضخ الأم المسكينة لرغباتها على أمل أن تنقذ ابنتها . . ولكن لم تكن النجاة مقدرة للطفلة؛فماتت قبل مغادرة حدود تلك المشفى الكئيبة. . . .وتركت بدون شفقة بين يدي أمها التي هامت على وجهها في أرجاء المشفى ترجو من يسعف ابنتها، تدق أبواب قلوب تحجرت وفقدت إنسانيتها...
ترجوهم أحياناً. . تهددهم أحيانا ً أخرى... ثم...
ماتت إيلينا. . . .
جاء والدها
بحث عن  ذلك الجسد الصغير  وهو يمنّي النفس أن يجده يتحرك وينبض بالحياة. . . .
الجد المسكين قهرته  دمعات ابنه الذي لم يكد يداوي جراح إصابته. . . .
لكن هيهات..  لم يكن ثمة  ألم في الكون يعادل ألم فقدان طفلته. . . . تيبس وتوقف إحساسه بكل شيء حين وجد زوجته  تصرخ وهي تحمل طفلتها المقتولة ..
 .أخبار عاجلة . . . . .تحقيقات.. . . .
تنديد .. . . . .
الصحافة تكتب. . . .
صفحات التواصل الاجتماعي  تستنكر....و..و....
ثم ماذا...؟!
من يعيد لبيت الياسمين والحب ألقه .؟!
من يعيد للقلب المقهور سعادته...؟
سيأتي العيد لكنه لن يمر من هنا....لن ترتدي الصغيرة ثيابها الملونة....لن تأكل الحلوى...  لن تنتظر أباها...لن تودع أختها....
إيلينا أين هي؟!
ضحكاتها في أرجاء الدار.. دمعاتها غافية على خدود ورده. لكنها ليست هنا..
((إيلينا آدم عجيب)) مازالت  تطير فوق غيمتها العطرية في سماوات لا تعرف الفساد ولا الدم ولا الألم...
((إيلينا)) مازالت ساكنة في وجدان أمها وأبيها  
ودمها سيبقى عالقاً على أصابع كل فاسد في تربية أو تعليم أو قضاء أو..أو..
سيبقى على جبهة كل من أسهم في حصول من لا يستحق على شهادة طبية او أياً كانت....
كل من وافق على مشروع مخالف للمواصفات..
كل من أسهم في وصول مسؤول لكرسي لا يستحقه..
وكل من أقصى ذوي الخبرة والشرفاء عن مواقعهم الصحيحة...
((إيلينا )).. مازالت قصتها مفتوحة بانتظار من يخط فيها سطوراً جديدة بأمانة وصدق ونزاهة.
 

الفئة: