وقـــال البحـــــر...أســـــــرار الحديقة

العدد: 
9176
التاريخ: 
الاثنين, 27 آب, 2018
الكاتب: 
عزيز نصّار

تنشر أشجار الحديقة أغصانها، وتملأ الأصوات الفضاء ضجيجاً وصخباً، يسافرون من بلد إلى بلد، ليحضروا المؤتمرات، لم يستمتعوا بالمشاهد الرائعة وبالهدوء الغامر، وقد بدأت اوراق الخريف بالتساقط فوق المقاعد الخشبية وفي طرقات الحديقة.
يرتدي أحدهم أفخم أنواع الألبسة الأوروبية، وفي عقله شيخُ قبيلة في صحراء معزولة عن العالم، وآخر يقيم شرطيٌّ في أعماقه، وثالث قبل أن ينطق بكلمة يفكّر بخازوق كان يخيف أجداده، بعضهم يتذكرون أعواد المشانق في الساحات العامة، وآخرون يخشون أن تُبتر أطرافهم، أو تُقطع ألسنتهم.
يتبادلون نظرات حائرة مضطربة، إذا ابتسموا هل يحقّ لهم أن تتسع ابتساماتهم؟ وإذا ضحكوا هل يسمحون لهم أن تندلع ضحكاتهم دون أن يرجعوا إلى أوراق صفراء بالية؟ الويل لهم إذا جاوزوا الحدود، فهنا عيون وآذان خفيّة، يقف رجل حول كتفيه عباءة موشاة بالقصب، يفتح محفظته ويخرج صوراً لوليّ أمره المنتفخ كبرميل ويلصق صوره على جذوع من الأشجار ويمتدح رشاقته، ويتغنى بطلعته البهيّة، وكان حجمه يزداد بشكل متواصل، فيعملون على توسيع أبواب القصور وأبواب السيارات والطائرات ليدخل فيها.
ويبدأ كل مندوب خطبته باسم زعيمه ويردد: عاش، عاش، ويقف شعراء ينظمون قصائد مديح، يتنافس المندوبون  في عرض أفكارهم وحولهم أتباع يصفقون لهم، يتحدثون دون توقف، ويختم كل واحد منهم كلامه بمدح وليّ الأمر، وذكر محاسنه وإعلان طاعته، كلما مضى الوقت تشتعل خطبهم، وتختلط أصواتهم كما يختلط نقيق الضفادع، يتشاجرون كنمور غاضبة، ويتشابكون بالأيدي وتهتز الأشجار والمقاعد من شدة أصواتهم ثم يتصالحون . .
يخاف المتنزهون من إيقاظ الفتنة، من يستطيع منهم أن يكشف الحقيقة والأسرار؟ تجذب الأصوات المتداخلة أشخاصاً من الشوارع المحيطة بالحديقة، يتراكضون نحو المندوبين دون أن يفهموا شيئاً، إنها أصوات بأصوات وحركات مندوبين تقابلها حركات، يرقصون في كل مناسبة، وكلما طلبوا منهم الرقص، يقترب رجل ضعيف السمع من الجمع وهو يتوكّأ على عصاه، يستمع قليلاً لأقوالهم وينصرف متمنياً أن تمنحه السماء نعمة الصمم كي لا يسمع الكلمات المجنونة.