بين الشط والجبل ... كانت لنا أحلام

العدد: 
9175
التاريخ: 
الأحد, 26 آب, 2018
الكاتب: 
بديع صقور

هي البيادر تفر من قفص الصدر، حمامة مذعورة يطاردها اللهاث والتعب وغربان الحياة . .
لم تبق البيادر كما كانت . .
أوائل الخريف تصير باحة مدرسة وملعب كرة . .
كرة الأمس ليست مثل كرة اليوم..
كان الصغار يصنعون كراتهم من أسمالهم الممزقة العتيقة.. لم تكن منتفخة كرؤوس وكرات اليوم..
أذكر تلك الكوكبة من الصغار.. تلك السنين المنتفخة بالعوز والحاجة والخوف والحزن التي لا تفارق ساحة الوجه، حيث كنا نلتصق بالبيادر التصاق وجه الحبيب بمنديل الحبيبة المطر بقلب أحمر ووردة حمراء وورقة خضراء، وقطرات من دم ودمع.
إيه..!
لا تزال رائحتها تشتعل في مجامر صدورنا، وتعبق في سماء بيوتنا الطينية.
لم يكن للهم مطرح في القلب..
لم يكن للخوف مقعد على صدورنا. .
لم تكن للتعب عصا يتوكأ عليها. .
كنا نطارد العصافير المختبئة خلف أوراق التين والتوت وكنا لا نعود إلا حين يقرع معلمنا الوحيد جرسه الصدئ العتيق الأبح الصوت دائماً..
نفر عائدين كأفراخ الدوري، نصطف أمامه ونرفع أكفنا الصغيرة محيين العلم برهبة وجلال.
وكان الزمن مسكوناً بالعشق والمحبة، وبساطة العيش . . لم نكن نعرف أفلام كراندايزر وتوم وجيري
والكرات المنفوخة السريعة التدحرج
لم يكن زمن التدحرج
لم يكن زمن الستلايت والعالم القرية الصغيرة.
كانت حدود الأرض تنتهي عند ضفة نهر قريتنا الذي كنا نسميه في زمن المطر بحر قريتنا.
وكانت حدود الأرض تنتهي عند ذروة جبل قريتنا المسطح الرأس..
لم نكن نسمع بملكات الجمال، أو بالسادة الذين يكسبون سريعاً ويصبحون من بين العشرة الأوائل في دنيا الثراء.
ولم . .  ولم . .  ولم . .
كانت لنا أحلام:
أن ننجح في نهاية العام
أن نصنع نقيفة لاصطياد العصافير
أن نسبح في نهر قريتنا البعيد، حيث كانت المسافات القصيرة
تبدو لنا بعيدة جداً والوصول إليها يشبه سفر اليوم إلى قارة أو عاصمة يحط بها سادة الذهب وعشاق المراهنات.
أحلامنا لم تكن كبيرة كأحلام بعض صغارنا اليوم:
من يحلم بعربات ومزارع وخيول . .  خدم وحشم وجوار. .
من يحلم بسفن ومركبات فضاء
من يحلم بأن نكون أجراء عنده بما تبقى لنا من هذا العمر.
من يحلم ببيت صغير لا يتجاوز مساحته آلاف الأمتار المربعة..
يتسع لعشيقاته وذهبه ومنه يطل على البحر والجبال والنجوم تحرسه قطعان الكلاب المزودة ببطاقات عائلية ممهورة بخاتم معتمد من جمعية تحسين نسل الكلاب . .
من يحلم بملاعب ومسابح لرياضته وسباحته التي تطيل العمر وتبقي على الشباب الدائم للتمتع الأطول بمتع الحياة، التي يفوق عددها عدد الطيور والغيوم التي تعبر سماء قريتنا رستيعلان على مدى عام كامل . .  عام كامل أو ما يزيد .. .