عندما يرجّون برحيلهم ضياء الفجر

العدد: 
9175
التاريخ: 
الأحد, 26 آب, 2018
الكاتب: 
سليم عبود

 حنا مينه،  ليس مجرد روائي، إنه الكاتب الذي  صنع وجوده  من أغمار الحياة الصعبة القاسية، النابتة أشواكاً ومسامير صدئة، وسكاكين  لها نصال  كأسنان الموت..
 صنع  حروفه بنفسه من خارج الكتب، ومن خارج القواميس المدرسية، ومن خارج القصور الملكية..
 بعض حروفه جمعها من زبد البحر، ومن أغنيات الصيادين، ومن ضياءات الشمس، وحكايات الفجر  العاشق  لوجوه  العمال والفلاحين وهم  في طريقهم إلى حقول العمل والعطاء، من شجاعة  المقاتلين للمستعمر، وللظلم الاجتماعي، وللقهر  الذي يصير وحشاً، فوقف حنا مينه في وجه الوحش، صنع من حروفه  أسلحة، وقاتل بشجاعة..
  كتب نهاية رجل شجاع،  لكنه لم ينهزم، ظل قوياً، لكن الموت جاءه، وألقى به من أعلى جرف الحياة نحو القاع، لكنه ترك  على الضفة  كل ما كتبه ليبحر، ويبحر، ويبحر في ممرات الحياة  إلى برازخ الوطن الذي ينزف اليوم بوجع، وألم،  لتكون حكاية حنا كجرس كنيسة، يقرع، ويقرع  في فضاءات  الحياة  الواسعة كمحيط لانهاية  لآفاقه، فتصير  للنداءات قوة الرصاصة في وجه الإرهاب، وقوة العوسج على صدور الرجال الذي يضحون في سبيل الوطن، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من جرح، ورسم بدمه حروفاً عاشقة للتراب  المقدس.
 حنا مينه . . .  التقيته وأنا في العشرين من عمري..
 كانت وزارة الثقافة السورية وافقت على نشر مجموعتي القصصية   الأولى (النصر والموت) تحت عنوان أدب الشباب، كان ذلك منذ زمن طويل طويل وبعيد ، هو من قال يومذاك للدكتورة نجاح العطار المسؤولة في قسم   التأليف والنشر في وزارة الثقافة  أريد رؤية هذا الشاب عندما يأتي إلى هنا، لأتحدث معه  عن المجموعة..
 كان يجلس  في مكتب صغير له نافذة جنوبية مطلة على  قسم واسع من دمشق، حدثني عن الكتابة وعن شباب موهوبين  يكتبون ثم يتوقفون عن الكتابة، وتمنى عليّ ألا أتوقف مثلهم عن الكتابة..
وكان لي شرف  بعد عقود، أن أفوز  بجائزة حنا مينا للرواية هذا العام عن رواية (مطر أسود) التي نظمتها وزارة الثقافة السورية..
   وحدهم الذين  كتبوا في سفر الحياة وجودهم يرجّون  برحيلهم  ضياء الفجر.

الفئة: