حنـّـا ميـــــــــــنه.. لا البــــحر هدأ ولا حكايا البحـّار توقّفـــت

العدد: 
9175
التاريخ: 
الأحد, 26 آب, 2018

في 18-6-2017 نشرنا هذه المادة عن المبدع الراحل حنا مينه. .
ولأن الحــــدث فرض نفسه برحيل أديبنا الكبير فإننا نعيد نشرها تحية لروحــــــه الراقدة بسلام . . .

 بعــــض من زبــــــد

 - إنني أتســـــــــــاءل بعد أن كبرت، لماذا ينشأ سوء التفاهم بين البشر بسبب تافه؟ لو أنهم ترووا قليــــــــلاً، وحاول كل طـــــــــــرف أن يتفهم وجهة نظر الطــــــــرف الآخر، لعاش الناس في محبّـــــــــة ووئـــــــــام

- الكفــــــــاح له فرحة عندما تعرف أنك تمنح حياتك فـــــــــداء لحيوات الآخرين، وأنت المؤمـــــــن بأنّ إنقاذهم من براثن الخــــــــــوف والمرض والجــــــــــوع والذل جدير بأن يضحى في سبيله

 -القتال أيضاً حضـــــــارة حين يكون ضــــــد الذين يريدون هدم الحضـــــــارة

 - ســــــيتقبل البحر توبتي ويقبلني. هو يقبل الجمــــــيع الخطـــــاة والصالحين، له شــــــرط واحـــــــد: أن يكـــــــــونوا شجعاناً

خاض البحار كلّها، قريبها والبعيد، يجدّف بروحه معظم الأحيان، مانحاً البحر زرقته والأعماق أسرارها هذه الأسرار التي خبّأها في عيني كاترين مرّة وخلف عنق عزيزة أخرى، يجوب الموانئ ويترك فيها حكايات ونساء ومتاعب..
كأنه (عقرب) خرج من البحر ليطوّر نفسه إلى إنسان تتقاذفه التناقضات وتحتله الحياة وهو يرتشف كأس الموت كأوجع ما تكون سكراته..
عندما يلبس قناع سعيد البحّار من حكاياه إلى الدقل وصولاً إلى المرفأ البعيد فإنه لا يتخلى عن القواسم المشتركة التي انتزعها من روحه وسكبها في شخصياته من الرجل الشجاع الذي انتهى بلا قدمين إلى سعيد الذي قهر البحر والموج والضباب لتكون نهايته عامل إنقاذ في أحد مسابح العاصمة كلّ صيف وهو الذي لم يهنأ بالعيش ساعة خارج الماء صيفاً أو شتاءً..
غالباً هناك سفر ومغامرة وامرأة تنتظر بكل اللهفة بحّاراً لا يملك من حطام الدنيا إلا رجولته وقدرة هائلة على احتساء الخمر والأنثى.. بائس يعرف أسماء الحانات ويعرف كيف يجتاز أقصر الطرق إلى سرير امرأة أغوتها الحكايات!
" البحر مصدر إلهامي.. حتى إن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب! "
" قانونه البحري: تجربة، فخطيئة، فندم"
لا نعرف على وجه التحديد: هل البحر أغوى حنا مينه أم أن الأخير وضع للبحر قانونه وحددّ له طقوسه، لكن ما نعرفه هو أن البحر وحنا مينه لا يفترقان ولو عرج الأول للسماء وتاه الثاني في الصحراء..
هما صديقان وفيّان على الدوام، لكن بإمكان أي امرأة ولو كانت (عاهرة) أن تفرّق بينهما أو تقود أحدهما إلى كارثة يخرج منها معظم الأحيان ليتجه إلى مغامرة جديدة..
حنا مينه جاب البحار شرقاً وغرباً، ومع أنه واضع قانون البحر إلا أنه وجد نفسه في مغامرته الأخيرة يكرر ما قاله طارق بن زياد: القرش من خلفي والصخرة من أمامي فما العمل.. (..هذه هي فرصتي الأخيرة: أرتطم بالصخرة فأتمزق أو أرتفع مع التيار إلى ما فوقها فأنجو، وكنت أريد النجاة، لا أريد الموت، أيها المحيط، أيها العظيم، أيها القادر أمام عاجز، لا أريد الموت، لا أريد أن أموت والصراع بيني وبينك على غير كفاء، إلا أنني أنا الإنسان سأصارع، صار الصراع قدري)..
صحا حنا مينه من سكرة مغامرته الأخيرة على فراش في مشفى في الصين لكن قرر أن يهرب كما هي عادته في إهانة أبطاله، ربما ليمنحهم فرصة البدء بمغامرة جديدة..
قانون البحر الذي شرّعه حنا مينه يقول: التجربة فالخطيئة فالندم..
حاولنا تتبع ما أمكن من تجاربه في حكايا بحار والدقل والمرفأ البعيد والياطر ونهاية رجل شجاع والشراع والعاصفة، هي تجارب غنية، أي أنه التزم بالبند الأول من قانونه البحري، وزاد التزامه بالبند الثاني (الخطيئة) فحياة معظم أبطاله خطيئة تمشي على قدمين أن تسبح عكس التيار، لكنه لم يلتزم بـ(الندم) لأنه أعاد الكرة هنا وهناك بكل التفاصيل وبكل الخطيئة وبكل التحدّي..
(. . . البحّار لا يخون زميله لأجل ثروة، بينما يخونه بكل يسر لأجل امرأة.. بحّار يقتل بحّاراً، ريّس يغرق أشجع بحارته؟ رجل ساعة الهول يسفك دم رجل؟ إيه أيتها المرأة يا نسل حواء، لماذا لطّختِ ريّساً كان زينة الريّاس؟ لماذا حرقتِ دمه وأشعلتِ النار في حناياه، لماذا كالريح الملعونة مزّقتِ أشرعة المركب وبعثرتِ بقاياه؟ . . .).
عندما يجد المرء نفسه محاطاً بالموج والأهوال، وخاضعاً لأحكام البحر كما يحرص على رسم تفاصيلها أديبنا الكبير حنا مينه هل يستطيع أن يفكّر كمن يقف على اليابسة، على أرض ثابتة، ورغم كل الاضطراب التي تزفره الأعماق وينفثه المجهول كيف يعود من قارع الموت يومين متتاليين إلى البحر، إلى المكان الذي يسلّم فيه على عزرائيل كل لحظة؟
يصرّ حنا مينه على أنّ البحر فضاء رحب وواسع وهو أصل الحياة وهو الذي لفظ العقرب الذي صار إنساناً.. وعندما يريد أن يتخلّص من أي شيء أو أي شخص لن يجد سوى البحر يساعده على ذلك (قررت أن أتخلص منها، خطر لي البحر فجأة، أسايرها حتى تطمئن ثم أغرقها فيه فتبدو ميتتها طبيعية قضاءً وقدراً ولا يفطن أحد إلى جريمتي  وفي المستقبل أدبّر طريقة للعيش بعيداً عن هذه المنطقة)، وقبل أن يجتاز الكثير من الصفحات يستعيد حنا مينه حبيبته (شكيبة) التي قرر أن يتخلص منها في البحر، أغواها بزبده وملوحة مائه، فانقضّ عليها كتنّين يغتصب ترددها ويحتلّ شهوتها..
التجــــــــربة!
أما أنتَ من قال: (. . . وضعتُ إصبعي على النار فاحترقتُ فتعلمتُ أن النار تحرق . . .) نحن فهمناها دعوة للتجريب والاكتشاف منسجمين في ذلك مع قانون بحرك (تجربة، خطيئة، فندم).
(البحر لا يبوح بسر أحد لأحد)، هل هي رسالة أم تبرير لالتصاقك به؟
( . . .  .وسيتقبل البحر توبتي و يقبلني،  هو يقبل الجميع الخطاة والصالحين،  له شرط واحد: أن يكونوا شجعاناً).
هي تهمة لا ينكرها حنا مينه (. . . البحر كان دائماً مصدر إلهامي، حتى إن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب . . .).
يتساءل حنا مينه (. . .  إنني أتساءل بعد أن كبرت، لماذا ينشأ سوء التفاهم بين البشر بسبب تافه؟ لو أنهم تروّوا قليلاً، وحاول كل طرف أن يتفهم وجهة نظر الطرف الآخر، لعاش الناس في محبة ووئام).


هذا هو وجه من وجوه حنا مينه، مرّة، يقطع ذنب الجحش، ومرّة ينتزع أحشاء حوت، وثالثة يتحدّى الموت وجهاً لوجه وأخرى... ولكن، ولا أعرف إن كان استنتاجي في مكانه، غالباً ما يجعلنا نشفق على أبطال رواياته إما بسبب خيبة مسعاهم أو مما تركته الأيام على أجسادهم..
هو حنا مينه، لا تستطيع أي جريدة أن تحتويه، ولا يمكن لأي قارئ أن يأخذ دوره، ربما لأنه بحرٌ لا أحد يعرف أين قراره، أو ربما لأنه بحّار ترك على كل مركب حكاية وزرع في كل مرفأ عشقاً وغوايةً، ربما لأنه يستفزّ التردد بدواخلنا وربما لأننا شعرنا بضعفنا أمام جرأته..
حنا مينه الأديب العربي السوري الذي نعتزّ به قلبنا معك بعض الذكريات مررنا كعصفور دوري فوق خمائلك، نقرنا بعض التوت وشممنا رائحة السمك المشوي بحضرة شكيبة، تخيّلنا قصر عزيزة، كادت كاترين أن تغوينا، لكننا بالنهاية فرحنا بمرافقتك أنت الضعيف القوي الذي انتزع أحشاء الحوت ليشرب بثمنها خمراً وراحة بال وما إن صحوتَ من غفلتك وعرفت أن هناك من ضحكَ عليك حتى تصرّفتَ كما يتصرّف اي معتزّ ومعتدّ برجولته، أضأنا مصابيحك الزرق واستعدنا بقايا الصور ولكننا لم نبلغ جنونك ولم نحصّن أنفسنا بطيش حروفك..
من خلال هذه التحية لكَ، ندعو هذا الجيل لقراءتك، للرحيل مع حروفك، للتعلّم منك أن الحياة تؤخذ غلابا، وأن القرش فائدته أكبر من ضرره فلولاه لفاضت الشواطئ أسماكاً..

 

  لا حــــــــزنٌ.. لا بكـــــاء.. لا لبــــــاس أســـــــود.. لا للتعزيـــــات
  لا حفلة تأبين .. استغــــــــيث بكم جميــــــعاً أن تريحوا عظـــــــامي منها


(أنا حنا بن سليم حنا مينه، والدتي مريانا ميخائيل زكور، من مواليد اللاذقية العام 1924، أكتب وصيتي وأنا بكامل قواي العقلية، وقد عمّرت طويلاً حتى صرت أخشى ألا أموت، بعد أن شبعت من الدنيا، مع يقيني أنه لكل أجل كتاب.
لقد كنت سعيداً جداً في حياتي، فمنذ أبصرت عيناي النور، وأنا منذورٌ للشقاء، وفي قلب الشقاء حاربت الشقاء، وانتصرت عليه، وهذه نعمة الله، ومكافأة السماء، وإني لمن الشاكرين.
عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدد على هذه الكلمة، ألا يُذاع خبر موتي في أية وسيلةٍ إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، فقد كنت بسيطاً في حياتي، وأرغب أن أكون بسيطاً في مماتي، وليس لي أهلٌ، لأن أهلي، جميعاً، لم يعرفوا من أنا في حياتي، وهذا أفضل، لذلك ليس من الإنصاف في شيء، أن يتحسروا علي عندما يعرفونني، بعد مغادرة هذه الفانية.


كل ما فعلته في حياتي معروفٌ، وهو أداء واجبي تجاه وطني وشعبي، وقد كرست كل كلماتي لأجل هدف واحد: نصرة الفقراء والبؤساء والمعذبين في الأرض، وبعد أن ناضلت بجسدي في سبيل هذا الهدف، وبدأت الكتابة في الأربعين من عمري، شرّعت قلمي لأجل الهدف ذاته، ولما أزل.
لا عتبٌ ولا عتابٌ، ولست ذاكرهما، هنا، إلا للضرورة، فقد اعتمدت عمري كله، لا على الحظ، بل على الساعد، فيدي وحدها، وبمفردها، صفّقت، وإني لأشكر هذه اليد، ففي الشكر تدوم النِعم.
أعتذر للجميع، أقرباء، أصدقاء، رفاق، قُرّاء، إذا طلبت منهم أن يدعوا نعشي، محمولاً من بيتي إلى عربة الموت، على أكتاف أربعة أشخاصٍ مأجورين من دائرة دفن الموتى، وبعد إهالة التراب علي، في أي قبر مُتاح، ينفض الجميع أيديهم، ويعودون إلى بيوتهم، فقد انتهى الحفل، وأغلقت الدائرة.


لا حزنٌ، لا بكاءٌ، لا لباسٌ أسود، لا للتعزيات، بأي شكلٍ، ومن أي نوع، في البيت أو خارجه، ثمّ وهذا هو الأهم، وأشدد: لا حفلة تأبين، فالذي سيقال بعد موتي، سمعته في حياتي، وهذا التأبين، وكما جرت العادات، منكرة، منفّرة، مسيئة إلي، استغيث بكم جميعاً، أن تريحوا عظامي منها.
كلُّ ما أملك، في دمشق واللاذقية، يتصرف به من يدّعون أنهم أهلي، ولهم الحرية في توزيع بعضه، على الفقراء، الأحباء الذين كنت منهم، وكانوا مني، وكنا على نسب هو الأغلى، الأثمن، الأكرم عندي.
زوجتي العزيزة مريم دميان سمعان، وصيتي عند من يصلّون لراحة نفسي، لها الحق، لو كانت لديها إمكانية دعي هذا الحق، أن تتصرف بكلّ إرثي، أما بيتي في اللاذقية، وكل ما فيه، فهو لها ومطوّب باسمها، فلا يباع إلا بعد عودتها إلى العدم الذي خرجت هي، وخرجت أنا، منه، ثم عدنا إليه).

 

 

الفئة: