التراث المـــــــــــادي

العدد: 
9175
التاريخ: 
الأحد, 26 آب, 2018
الكاتب: 
نعمان إبراهيم حميشة

إذا أراد الإنسان القيام بجولة عبر التاريخ ما عليه إلا زيارة المواقع التاريخية التي خلفها الأجداد ولاتزال شامخة منذ آلاف السنين، حيث يفتح التاريخ أسراره وكنوزه وتجعل المرء في غاية الفخر والزهو لما خلده الأوائل من حضارة ما زالت مضرب المثل حتى الآن.
التراث المادي (علم التراث) أو علم الآثار، ابتدأ الاهتمام بدراسته في منتصف القرن التاسع عشر وهو الحضور فوق الأراضي والامتداد في عروقها والتوهج في تضاعيفها، ويمثل رموز الحضارة الإنسانية المحفوظة للأجيال القادمة المنبعثة من أعماق التاريخ وأحضان الأساطير، وقديماً قوبل باستخفاف المؤرخين الغربيين لدرجة أنهم أطلقوا عليه بأنه ركام من رخام الدهر الذي مضى وأنه (علم القمامة) الذي يستخدم الفأس والمجرفة للتنقيب في مزابل الشعوب القديمة وفضلات الشعوب البدائية وقالوا: (ماذا بقي من كبرياء التاريخ إذا انصرف التأمل في الجرار والأقداح والآجر والفؤوس من مخلفات شعوب بادت واندثرت)؟!
سورية جوهرة الكنوز وساحرة العقول التي تلف التاريخ على كتفها كشال أخضر، سيمفونية دهور طويلة الأمد عمرها آلاف السنين حفر الزمان على وجهها خطوطه الخالدة، وأحنت الأيام ظهرها، الأرض السورية غنية ثرية بالأوابد الضاربة في عمق التاريخ التي تدل على عظمة الشعب الذي سكنها. كل شيء فيها يشع بالألق .. الأحجار والقلاع والأبراج الدفاعية والجبال التي تكاد تنطق بالتاريخ ومن أرضها ترعرعت بذور الثقافة ونمت لتثمر عطاء لكل البشرية، وتعدّ  سورية مدخلاً مهماً لتاريخ الشرق القديم وبوابة تطلّ على الغرب وجسراً عبرت خلاله الحضارات منذ اختراع النظام الكتابي التوثيقي الأول الذي عدّ الحد الفاصل بين عصور ما قبل التاريخ والعصور التاريخية، فمن تدمر أرض النخيل وعروس البادية السورية ولؤلؤة الشرق الخالدة أطلت زنوبيا بسيفها العربي لتعلن تمردها وعصيانها على أورليانوس امبراطور الرومان ولتؤكد للعالم برمّته على أن السوريين يكرهون الظلم والعدوان، وقد قال أحد علماء الآثار الفرنسيين: (على كل إنسان أن يعرف ويقول: إن لي وطنين، وطني الذي أعيش فيه، وسورية).
دمشق: جنّة الله في أرضه، سجل تاريخي يكشف عن فن معماري مبدع محفور في أبوابها وجدران أسوارها وأسواقها ومنازلها التي تفوح منها روائح العراقة والعصور، وبعضها لايزال ماثلاً للعيان، الناظر إليها يتعب تأملاً في تركيبة عمرانها المتعاشق مع الصخور والجبال ويقف مدهوشاً أمام لوحة اختلطت فيها عجائب الطبيعة مع صنائع يد الإنسان في مشهد جمالي قلّ نظيره، حتى أن بعض الباحثين يقول: (إن كمية التاريخ في دمشق أكبر مما تتحمله مدينة بمفردها).
سورية السنديانة الراسخة التي لا تنحني ولا تهزها ريح غادرة عابرة، فيها الكبرياء كجلدها الذي لا ينفصل عنها، تخوض معمعة النور ضد الظلام. والخير ضد الشر، والتجدد على الزوال، والبعث على الفناء.. علينا الحفاظ على الآثار الحضارية والأوابد التاريخية التي أنارت عقول أجيالنا عبر مراحل التاريخ، وترميمها وحمايتها وصونها من مخالب الغدر ونواجذ الزمن.
 

الفئة: