وقـــال البحـــــر ...مبيد الأطفال

العدد: 
9174
التاريخ: 
الخميس, 16 آب, 2018
الكاتب: 
شروق ديب ضاهر

وقفتُ في باب غرفة طفلتي أراقبها وهي تتدرب على تقنيات الحساب الذهني، كانت تحرّك أصابعها وعينيها وشفتيها في إطار من التركيز المكثّف لدرجة أنها لم تلحظ وجودي في المكان، بدت وكأنها تمارس طقساً صوفياً من نوع آخر تتحد فيه الروح مع الذات الحسابية للأرقام، أَمسَكَتْ قلمها وكتبت نتيجة ما حَسَبَت ليتهلل وجهها بعلامات الرضى عندما تطابقت نتيجة حسابها مع الرقم الصحيح، أمسكتُ بالورقة وقرأت المسألة الحسابية التي قامت طفلتي بحلّها ذهنياً خلال دقائق، كان عدد الأرقام وإشارات العمليات الحسابية في المسألة كفيلاً بإصابتي بالحَوَل والدوار، اصطنعْت على وجهي ابتسامة الأم الحكيمة وبادرتها القول: أحسنت حبيبتي حاولي اختزال الحل في وقت أسرع فالمسألة ليست بالمعقدة، ربَّتُ على كتفها وخرجتُ من الغرفة وعيناي ما زالتا زائغتين من قراءة أرقام المسألة، سقى الله أيام طفولتي كنت أجلس نفس الجِلسة وأمارس نفس الطقس الصوفي الحسابي فقط من أجل أن أحفظ أحد جداول الضرب لكنني لا أتذكر أن وجهي تهلّل يوماً بعلامات الرضى..! عندما كنا أطفالاً كان رُهاب جدول الضرب يلازمنا كما يلازم قرينُ الجنِّ صاحبَهُ فكل الكبار من حولنا في المنزل والحي والقرية علماءٌ أفذاذٌ في علوم الرياضيات والحساب وما أن يقع طفلٌ في المجال البصري لأحدهم حتى يمسك به ويسأله السؤال القاتل: خمسة بستة؟ تسعة بسبعة؟ كان السؤال في جدول الضرب بمثابة مبيدٍ للأطفال فتراهم يمارسون كل أفانين الاختباء والتواري كي لا يُصابوا برشّة من هذا المبيد من قبل جارهم انيشتاين أو قريبهم فيثاغورث، لكن مصيبتي في طفولتي كانت مضاعفة فجارنا كان ممن يقرضون الشعر ويفصفصون النحو لا زلت أذكر وقفتي أمامه شاردة الذهن زائغة النظرات أبحث عن إجابة لسؤاله: اشرحي وأعربي البيت الآتي:
وأطلس عسّال وما كان صاحباً      دعوت بناري موهناً فأتاني كان يبتسم أثناء سؤاله مجارياً طفولتي لكنني لم أرَ في ملامح وجهه سوى وجه أطلس العسّال ذاته.
في زمننا الراهن انقلب الميزان ودارت الدائرة فجدول الضرب أضحى من منسيات الأطفال وصار الكبار هم الذين يمارسون أفانين الاختباء والتواري عندما يرون أطفالهم يقلبّون في أجهزة التقنيات الذكية ويبحرون في شبكاتها العنكبوتية أو يقومون بعمليات الحساب الذهني المعقدة بسرعة مدهشة بينما يتلعثم انيشتاين الجيل البائد أثناء حسابه أرقام لعبة الطرنيب.