وميـــــض في الـذاكـرة

العدد: 
9174
التاريخ: 
الخميس, 16 آب, 2018
الكاتب: 
بسَّام نوفل هيفا

 في لحظات وفي بعض الأحيان، يستوقفنا تذكار يلامس المشاعر، ويطرق شغاف القلب، إحساس رائع عن مواقف وأحداث، عن أصدقاء وخلان، عن معلّمين وأصدقاء الطفولة، أو زملاء الدراسة أو أناس كان لهم بصمة وذكرى طيبة وأثر حفر مجراه في نفوسنا، بقوا محفوظين في ذاكرة أيامنا وسنوات حياتنا.. ينقلنا الشوق والحنين إلى حميمية ذاك الماضي وعبقه..
 بينما كنت أقرأ في كتاب (شاعر عبقر وأهازيج الفنّ) بعض النصوص، وإذ بكلمات صفحة الإهداء تنقلني إلى تذكّر لقاء كان قد جمعني منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً، في مثل هذه الأيام أواخر صيف عام 1992 في دمشق، مع البرلماني والإعلامي المهجري الراحل الدكتور عبد اللطيف اليونس، رحمه الله.
 تسنّى لي أثناء هذا اللقاء واللقاء الثاني الأخير ربيع عام 2010 في منزله (المتحف) في مدينة صافيتا، أن أقف عند معالم هذه الشخصية الرفيعة المستوى السياسي والثقافي، والقامة الشامخة في الحياة الأدبية والعامة والاجتماعية والنضالية.. وأُغني معلوماتي عنها أكثر ما كان قد قدّمه لي إهداء بعضاً من مؤلفاته، منها كتاب (شاعر عبقر وأهازيج الفنّ) ولاحقاً كتاب (مذكراته الشخصية) وغيرهما.
 أمّا الحديث عن كتاب شاعر عبقر..، في لمحة موجزة، أقول: هو كتاب من تأليف الدكتور اليونس، تناوله دراسة وتحليلاً ونقداً، عند الشاعر اللبناني الكبير (شفيق معلوف) المولود سنة 1905 في مدينة زحلة بلبنان، وهو ابن العلاّمة عيسى اسكندر المعلوف، عضو المجمعين العلميين بالقاهرة ودمشق، وشفيق أخ الشاعرين المعروفَين (فوزي ورياض).
 لقد نشر رياض المعلوف كتاباً عن (الشعراء المعالفة) في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، وإذ بهم واحد وعشرون شاعراً، إلى جانب اثنين وعشرين عالماً وأديباً وفضلاً عن الشعراء (المعالفة) الأقدمين الذين مروا عبر القرون.
 في هذه البيئة الأدبية الراقية، والمناخ الأدبي الرائع، نشأ (شفيق معلوف) وفي ظلّ هذه الدوحة الوارفة الندية، نمت مواهبه، وأشرقت كلمته، وتأنَّق حرفه، وتألق فكره، ونصع بيانه.. قضى شاعرنا المرحلة الأولى من حياته في مسقط رأسه (زحلة).
وانتقل منها إلى دمشق سنة 1922 ليحرر في جريدة (ألف باء) وحينما نظم الشاعر في دمشق، ديوانه الأول (الأحلام) كان عمره ثمانية عشر عاماً..
 لقد تفتحت أزاهير شاعريته في زحلة، وسطع طيبها في دمشق.. وانتشر أريجها من المهجر بعد أن كان قد انتقل إلى البرازيل..
 نشر شفيق معلوف بضعة دواوين، نذكر منها: الأحلام، عبقر، نداء المجاديف، لكل زهرة عبير، عيناكِ مهرجان، سنابل راعوت.. وغيرها، وبضعة كتب في النثر، وأعيد طبع ملحمة عبقر أكثر من مرّة، وترجمت إلى عدة لغات أجنبية.
 انتخب شفيق رئيساً للعصبة الأندلسية، بعد وفاة خاله ميشال معلوف، وانقضاء فترة ترؤس الشاعر (القروي) لها. يمتاز شعر شفيق معلوف بالديباجة المصقولة، والنغم الهادئ الرصين، والجرس الموسيقي القوي الصافي، والكلمة الأنيقة المنتقاة، والخيال الرائع الأليف، والصورة التي تعيش في صميم الواقع.
 والحديث أكبر من ذلك وأكثر عن شاعر كبير كالشاعر شفيق معلوف، لكن نكتفي بهذا القدر، ولنترك مزيد المطالعة والمتابعة للقارئ العزيز.
 فيما يأتي بعضاً من شعره:
من قصيدته (عيناكِ مهرجان) وهو عنوان أحد دواوينه، وقد كتب هذه القصيدة قبل أن يولد الشاعر بدر شاكر السياب ويكتب عن العيون، نقتطف منها الآتي:
 في مهرجان العيون جمال الحياة وصخبها، وانطلاقها، وإشراقها
فيه هدهدة الآمال على جفون راقصة، وشفاه حالمة، وقلوب عطشى
فيه هتاف العطر، ونداء الكحل، واستغاثة الخيال
 فيه ذوب سنى بمحجر، وانطلاق شعاع من محجر
فيه أمنية تصيح، ورجاء يثور، وحلم يزغرد
عيناكِ مهرجان، للنور والظلّ
 أغنيتان اثنتان، غنّيتا على شطّ من الكحل
تبارك الحسن ما أغلاه وأغناه.
* *
 ومن قصديته ( حنين) نقرأ:
 طال بي الشوق ولجّ الظمأ
 إلى ليال في أعالي الكروم
يغري بها البدر صبايا الحمى
كأنما البدر خلال الغيوم
 جمَّع أنوار جميع النجوم
 وصبّها من كوّة في السما
* *
ومن قصيدته (تعاهدنا دمشق) التي حيّا من خلالها دمشق.. حينما زارها، كان ذلك سنة 1962:
 أراكَ رجعتَ تفتقد العرينا
 فهاك الغوطتين وقاسيونا
 وأرضاً كلما انتفضت بشبر
 تهدهد تحته بطلاً دفينا.
 

الفئة: