كالطفل يسرد قصته .. في وجه خجل وبين أصابعه

العدد: 
9174
التاريخ: 
الخميس, 16 آب, 2018
الكاتب: 
زينة هاشم

" رجـــفة اللحظــــة .. يفتــح قلبـــه للــــحب ويخــــرج معـــافى "

ناصر هلال، تمرّد على طقوس وعادات قريته ورفع القبّعة  لتدخل الشمس كوخه حتى لا تتسلل رطوبة الفجر الخريفي شمعدان العمر .. يقاوم ويصارع  شيخوخة الرغبات والإحساس بشباب الحلم .. جعل الأرض عشيقته ودفتر انتظاره وانتصاره على الزمن، يتحدى الوقت ويشهر السيف في وجه الموت.
ولد في طرطوس قرية المصلبة عام /1945/م
عمل رئيساً للمكتب الصحفي في محافظة طرطوس بين عامي 1992 – 1997م
نشر نتاجه في الصحف والمجلات السورية، وواظب على كتابة زاوية أسبوعية في صحيفة الوحدة طوال عشرين عاماً.
لقاء خاص مع الأديب ناصر هلال :

• إلى أين ترحل ذاكرة ناصر هلال في هذه اللحظة ؟
الذاكرة بشكل عام مثل آلة تسجيل متعددة الأشرطة.  . تختزن الكثير من الأشياء الخاصة والعامة وقد تفرد في لحظة ما جميع محتوياتها على شكل مشاهد وصور .. من خلال تشغيلها بومضة ساطعة لخيال شارد نحو البعيد .. وقد تختفي وتغيب في لحظة مغايرة .. ولكنها أبداً لا تمحى، ولا تتلاشى مهما بعد بصاحبها الزمن، وتعرض للتشويه والتخريب.
وأنا الآن، وأمام سؤالك. . تسارع ذاكرتي لاستعادة تلك اللحظة الفائقة الإبهار .. التي شعرت فيها إن روحي تتماهى مع روح الشمس وهي تلامس الأفق البحري بأصابع من شعاع ودفء، كما لو أنها تودعه، أو تقبله،  أو تعطيه لمسة ضياء تكفيه حتى الغد .
• أقرب مشهد لا يغيب عن عين ناصر هلال الشاعر ؟
ربما يكون لكل مرحلة عمرية مشهدها الخاص الذي يحضر في وقت، ويغيب في وقت .. ولكن ثمة مشاهد.. وليس مشاهداً واحداً لا تغيب عن ناظري بعضها مؤلم حتى القهر.. وبعضها الآخر ينوس ما بين الرفرفة والطيران. وفي جميع الأحوال لم أستطع يوماً القبض على مشهد مريح  يعفيني من متابعة المشاهد الأخرى ... ويجعلني أقول باطمئنان : هذا المشهد – بيني - الذي على مقاعد غرفة سأجلس متربعاً، وفي يدي تذكرة عبور إلى موت طبيعي بحجم عمري الحقيقي، لا أكثر، ولا أقل. مع ذلك يمكنني التخمين وليس التأكيد.. إن أقرب مشهد لا يكاد بين ذراعيها .. بعد عودتي سالماً من جبهة الجولان في حرب عام 1973.. كما تضم أمهات هذه الأيام أجساد الأبناء العائدين من وإلى حرب تعد أكثر قدسية، وأعظم أهمية من حرب تشرين .
• حلم تحقق .. وآخر إلى أين ؟
الأحلام بالنسبة لي .. تشبه غيوم الصيف تقريباً .. تتشكل بسرعة، وتنقشع بسرعة، وإذا ما حاولت الاستعجال والإمساك بواحدة منها، وحلب ضرعها بحثاً عن قطرات ندية ورطبة تبل الريق .. أجدها جافة كالعيدان اليابسة .. مع ذلك علاقتي بالأحلام علاقة كرّ، وفرّ، ومطاردة، لو توقفت، أو توقفتُ، توقفت الحياة . فالحياة بالنتيجة ليست أكثر من حلم. أو ومضات حلم، تضيء في وقت وتنطفئ في وقت .
• كيف تعرّف الحب : هل هو أولاً، وثانياً، وأخيراً كما يقولون ؟
نعم الحب هكذا فعلاً بغض النظر عن أشكال وألوان الحب، ولحن مخصص، أو موجه . فالحب إضافة إلى كونه حالة إنسانية مفعمة بالمشاعر والأحاسيس الجميلة .. التي تعبّر عن نفسها بأشكال وصور مختلفة .. فهو إلى جانب ذلك طاقة متجددة غير منظورة، تمدّ جميع الحواس بالنور.. في الوقت الذي يكون فيه ظلام اليأس والحرمان على وشك إغلاق نوافذ الأمل والرجاء.
وربما إذا ما نظر إلى الحب بعين البصيرة والباصرة معاً..لتوقفنا عن هدر أوقاتنا بالتقاتل والتضارب، بعصي الكره، والحقد، والبغضاء.
الحب بالمحصلة النهائية مثل النجاح، والتفوق، ونيل الجوائز الثمينة، يرفع من قيمة المعنويات، ويعطي إحساساً خاصاً بالتفاؤل، والنشوة، والرضا عن النفس .
• عن ماذا تأخّر ناصر هلال ؟
سؤالك جواني قليلاً .. مع ذلك أقول لك بكل صراحة.: إن ناصر هلال تأخر كثيراً عن ناصر هلال ولم يمنحه إلا القليل مما كان يطمح إليه .. وربما قد يكون تركه وحيداً في منتصف الطريق، يعالج آثار جروح الماضي، بيدين متعبتين، وقلب يرجمه القمر، بسبعين حجر، وسبعين علامة استفهام وتعجب عن معنى هذه (الهرطقة) .
ولكن الروح هذه الفتاة اللعوب مازالت تعاند وتغوي، وتقول لي اثبت، ولا تنهزم .
• هل مازال القلب عند ناصر هلال مفتوحاً على الحب ، وإلى أي مدى ؟
إن سؤالك هذا تتساوى فيه قسوة الإحراج .. مع رقة وعذوبة البحث عن جذوة حب، توقظ المشاعر والأحاسيس من جديد .. ولو لبعض الوقت، أو ما يكفي لإعطاء الجواب .و لذلك أقول لك: إذا كان باب الحب في أول العمر عميق الإخضرار كالزمرد .. فإنه يتحول إلى فستقي الاخضرار مع تقدم العمر .. وهكذا هو باب القلب عندي بالمفهوم الذي تعنيه.. أخضر فستقي، بالكاد يتسع لإدخال حب صغير ونحيل، لا يكسر الباب من جهة، ولا يموت حشراً، وعصراً، من جهة ثانية.
• وماذا عن الزوجة والأولاد ؟
زوجتي بصحة جيدة والحمد لله .. وناجحة بعملها كمدرّسة لمادة الكيمياء .. وبسبب طولها الفاره تستطيع التقاط أذني وفركها وهي جالسة على الكرسي .. عند أي نظرة خارج القفص الحديدي .. عفواً الذهبي .
أما الأولاد فهمومهم مازالت صغيرة كأعمارهم .. فأنت تعرفين بأنني بدأت الخطوة الأولى على طريق الزواج .. بعد وصول أبناء جيلي إلى نهاية الطريق .
• كيف تقضي أوقاتك؟
في الأشهر الأولى من إحالتي على التقاعد شعرت بالفقد، والضجر، والفراغ الممل، واحترت ماذا أفعل .. فالذهاب إلى المقاهي أو التسكع على أرصفة الشوارع، أو حرق الوقت بالتنظيرات السياسية، لم تكن يوماً من هواياتي.
لذلك بحثت عن شيء يساعدني مادياً، ويريحني نفسياً، فكانت الأرض الاتجاه والحل، والانطلاق نحو فهم مقبول لتنظيم الوقت .. يتلخص بالعمل ثلاث ساعات أو أكثر قليلاً بالأرض .. ومثلها في القراءة والكتابة .. وما تبقى من أوقات.. فلقضاء حاجيات البيت والاستراحة وهكذا أقود الوقت أو يقودني إلى ...؟
• هل الزاوية التي تكتبها في صحيفة الوحدة تعبّر عن الواقع .. وكيف تعيش هذا الواقع ؟
لا أعرف، ربما، المهم الصدق في تناول الموضوع سواء كان ذاتي وجداني، أو عام اجتماعي . فأنا في المواضيع السياسية أكتب بشكل جاف ومباشر، والجنوح إلى كتابة زاوية فيها من القصة القصيرة نبضها، ومن الخاطرة وميضها، مع التقيد بنهج الكلمة الملتزمة الأمينة .. التي شأنها على الورق في هذه الأيام .. شأن البندقية في الميدان.
 أما كيف أعيش الواقع؟ فهذا أمر أصبح خارج رغبات الإنسان .. لأن الواقع مع الأسف هو الذي يحدد كيف يعيش الإنسان ، وليس العكس .
وأنا من هؤلاء الناس ولو أنني أحاول قدر الإمكان العيش في هذا الواقع بأقل الخسائر الوجدانية، والأخلاقية، والروحية.في يوم من الأيام قال لي الشاعر /جورج عشي /ناصحاً بعد أن قدمت له بعض النصوص الشعرية بقصد النشر : اكتب قليلاً، ومزّق كثيراً، وإذا كنت تشفق على كتاباتك، ولا تقوى على تمزيقها فخمّرها داخل الأدراج والخزن . وأنا حتى الآن مازلت معتمداً هذه النصيحة . فمن بين عشرات المجموعات الشعرية، والقصصية والمسرحية، والروائية لم أنشر سوى ثلاث مجموعات شعرية هي : هذا أنا، أشياء متنافرة، الرحيل في المكان . وثلاث مجموعات قصصية هي : فضاءات الذاكرة، طقوس الأشياء، جارة البحر . ورواية واحدة : الذباب الأزرق الصادرة حديثاً عن الهيئة العامة السورية للكتاب، ومسرحية واحدة هي : صندوق الفرجة، وقد مثل من قِبل فرقة المسرح القومي بطرطوس . وهناك عدد كبير من مختلف الأجناس الأدبية أسيرة الأدراج والخزن، تنتظر من يفك أسرها، ويطلق سراحها، أو يحرقها ويشم رائحتها .

صــــــــــــــــــدر لـــــــــــــــه :


هذا أنا /شعر / 1994م
أشياء متنافرة / شعر / 1995م
فضاءات الذاكرة /نصوص/1997م
الرحيل /شعر/1999م
طقوس الأشياء /نصوص/ 2002م

 

• كيف تقيّم الواقع الثقافي في محافظة طرطوس ؟
اعذريني، لا أعرف أي شيء عن هذا الواقع وجلّ ما كنت أعرفه سابقاً، وأظنه مازال قائماً حتى الآن هو: وجود مديرية للثقافة، ومراكز ثقافية موزعة بكافة المناطق والبلدات .. أما ماذا يدور في داخل هذه المراكز؟ فلا علم لي، ولا يهمني أن أعلم.
أما فرع اتحاد الكتّاب العرب في طرطوس .. فينطبق عليه المثل القائل من / دهنو قليلو / أي أن نشاطات الفرع محصورة بأعضاء الفرع، والحجة كما سمعت أنه غير مسموح صرف أي مبلغ لقاء أي نشاط من خارج أعضاء الاتحاد . لأن الثقافة محصورة بالنخبة، وأنا والحمد لله لست من النخبة، ولا بودّي أن أكون .. لا الآن، ولا في أي وقت .
• كيف لك أن تلخّص حياتك بقصة قصيرة.. يتجسد فيها الواقع والخيال ؟
صبي غوي الروح، شتائي الجسد، يمطر عرقاً ودمعاً، وهو يغالب جذوع الأشجار العالية، بقدمين حافيتين، ويدين عاريتين، بحثاً عن عشّ يختبئ داخل الأغصان المورقة ، وفجأة ومثل حكاية من زمن الفقر والحرمان، وتسلط الأولياء، وجد نفسه مثل عصفور صغير، أزغب الريش، طري اللحم، يهم بالطيران ولايستطيع، فأخذ الطريق زحفاً ما بين الصخور، والأشواك، وجفاني الديس، والبلان، وباقي، والغيلان .
إلى أن استطاع يوماً الوقوف مستقيماً، فنسي الطيران وبدأ مشوار الحياة ركضاً، ومازال يركض حتى الآن .
• وماذا عن الذباب الأزرق ؟
رواية شائقة تصور حياة ابن القرية الذي ينتمي إلى طبقة فقيرة ويكافح بشرف طامحاً إلى الارتباط بمن يحب وتكوين أسرة، لكن ظروفاً قاسية تقف حائلاً أمام تحقيق حلمه . وهي تمزج بين الواقع والمتخيل، الماضي والحاضر، متخذة من (الذباب الأزرق) عنواناً ورمزاً دلالياً لنوع من البشر أشدّ ضرراً وأوسع تناسلاً وانتشاراً وقدرة على سرقة فرح الآخرين وتحطيم حياتهم.
• قصيدة، أو مقطع من قصيدة نهديها لمن تشاء .
هذا مقطع من قصيدة طويلة بعنوان /لحظات لنا /:
بيني وبين هذا الذي ينبض
كالوتر الحزين في خافقي
 أقف متوسّلاً بياض يديك
أن تضمّيني في دافئ الصدر الجني
وأن تعطيني من عنب الشفتين
وكرز الوجنتين
ما أحب وأشتهي
وأن تقولي بوله وإغواء
ساعة تشاء ألقاك
وحيث تكون أكون
من يدي أسقيك كأس رواء
من يديك أشرب نسغ اخضراري
ومن هذه اللحظة العابرة ..
كنسيم طري
نملأ من فيض اشتياقاً
أو مؤنةً
حتى إذا ما جفت أعوادنا يوماً
من فيض تبعها نست

الفئة: