فن الأنتيكا... عودة إلى عمق الأصــالة والتراث

العدد: 
9174
التاريخ: 
الخميس, 16 آب, 2018
الكاتب: 
ريم ديب

لا شيء يختزل ذاكرة الشعوب ويسجّل ماضيها وأسلوب ونمط حياتها مثل التراث والفولكلور والآثار وإرث الأجداد الذين سبقونا.. ويمتلك الساحل السوري العديد والكثير من مقومات الجمال الرائعة التي تجسّد حياة الساحل منذ القديم بدءاً من الأزياء الساحلية إلى الحلي وأدوات الزينة التي تختص بديكور المنازل إلى الحرف اليدوية التي تنمّ عن ذوق وفنّ راقٍ.
 وتحتل الصناعات الشرقية وقطع الأنتيكا المكان الأول والأهمّ والأجمل من التحف التي نراها في واجهات المحال التي تهتم بهذا الموضوع.. فتتنوع الألوان والأشكال, فتعود بنا الذاكرة إلى الماضي الجميل إلى الأصالة متّحدين بذلك التطور الاجتماعي والتقني لتؤكد لنا هذه المشغولات الفنّية أنها الأجمل والأغنى والأكثر أثراً في النفس والروح..وفي عصرنا الحالي عصر التكنولوجيا والإنترنت عصر ضاعت فيه الأصالة والحديث عن الماضي والتراث والهوية التاريخية العريقة باتت هذه الموروثات خط الدفاع عن الهوية وعن الذاكرة وقيم الآباء والأجداد, فبعد أن كانت الأسرة قديماً تعتمد في تأسيس بيوتها على مشغولات صاغتها بأيديها, هذه المهنة ورّثتها عن جدّاتهم وأمّهاتهم كانت البساطة هي الفكر السائد في تلك الفترة ومع التطور تلاشت هذه المهن اليدوية الجميلة وطغت عليها الحضارة والمعامل التي تصنع ما يعمي على البصيرة، ولكن مع ذلك تبقى لهذه الأعمال التراثية قيمة تاريخية ومعنوية كبيرة وتبقى مكانتها محفوظة على الرغم من المنافسة الكبيرة لها.
 واليوم نقف متسائلين ما هي أهمية الموروث الشعبي في مجتمع يشهد تطوراً كبيراً على جميع الأصعدة؟
 وما هي فائدة البحث في عالم الماضي الجميل؟ هذه الأسئلة تطرح نفسها في ظلّ غياب الاهتمام بهذا الموروث الغني الفنّي ومن خلال ملاحظاتنا نتلمس غياب المحال التي تهتم بعرض وبيع القطع الأثرية أو الملابس الفلكلورية الساحلية والمشغولات اليدوية التي كانت سائدة في العصر الذهبي للساحل السوري الفنّي.
إذ تفتقر محافظتنا على الرغم من تنوع المصادر وتوفّر اليد العاملة إلى احتراف هذه المهنة التي تعدّ العنصر الأقوى للجذب السياحي وللإجابة على هذه الأسئلة, توقفنا قليلاً عند واجهات بعض المحال التجارية التي تهتم بعرض هذا الإرث الشعبي الرائع وبيعه, فكانت اللقاءات الآتية:
 -السيد وفيق عاشور صاحب محل هدايا أوغاريت الشرقية, يقول:
تعدّ سورية من أكثر الدول شهرة بالأماكن السياحية والأثرية وهي غنية جداً بالصناعات التراثية والحرفية كصناعة الموزاييك والنحاسيات والألبسة الفلكلورية السورية.
وهي جميعها صناعات تعتمد على الدقة والحرفية العالية والذوق الرفيع ممّا جعل منها صناعة نادرة في العالم والسائح الذي يقصد مدينة اللاذقية يلفت نظره جداً تلك الصناعات وتلك المشغولات اليدوية ويهتمون بها جداً وكانوا يترددون إلى متجري وباقي المحال باحثين عن تلك الأشغال والمصنوعات التراثية. .
 وهذه الأشياء تلقى إقبالاً كبيراً لأنها تعبّر عن حضارة سورية القديمة ومصادر هذه المواد متعددة حسب نوعها فمنها الدمشقي وخاصة الصناعة الخشبية التي تعتمد على التطعيم سواء بالصدف أو بالنحاس وهناك الصناعات الساحلية التي تهتم بصناعة المراكب والفخار.
 وكانت هذه المصنوعات تلقى اهتماماً من أبناء المحافظة . . وكانت نساء المحافظة يعتمدن في لباسهنّ الصيفي على العباية الشرقية, وكان أهالي المحافظة يعتمدون في هداياهم الاجتماعية على المشغولات التراثية، ولكن مع مرور الزمن ودخول الصناعات الصينية والهندية والأوروبية إلى الأسواق السورية اتجه الناس إلى تلك المشغولات المستوردة التي تتماشى مع الحداثة, وفي الآونة الأخيرة لاحظت اهتمام جيل الشباب بتلك المصنوعات وأصبحوا يعتمدونها في هداياهم لأصدقائهم في مناسباتهم الخاصة، وهذا دليل واضح على حسّ عالٍ بقيمة تلك المصنوعات, وأتمنّى من جيل الشباب أن يهتموا ويحافظوا على التراث حتى لا تتعرض مع مرور الزمن للنسيان والإهمال, أمّا عن الصعوبات التي تعترض هذه المهنة الشعبية, فيقول السيد وفيق: نتمنى من مديرية الثقافة والسياحة في اللاذقية الاهتمام أكثر بهذه المهنة التي تعدّ الجاذب الأكبر للسياح ونطلب منهم تزويد هذه المحال بكتيبات تهتم بالأمور السياحية وتزويدنا بنشرات سياحية التي نشاهدها في المكتبات وأماكن لا علاقة لها بالسياحة ونطالبها أيضاً بتوجيه السياح إلى تلك الأماكن والمحال التي تهتم بنشر ذلك الموروث الشعبي ونطلب منها أيضاً إقامة معارض ومهرجانات سنوية لتعريف الأجيال القادمة والشابّة على تراثهم لأنه يعتبر كنزاً وطنياً مهمّاً وإصدار دوريات (مجلات, جرائد..) تتحدث عن فنّ الأنتيكا وعن التراث الشرقي ومدى أهميته محلياً وعالمياً وعربياً...
ختاماً: إن الموروث الشعبي الفنّي بصناعات متعددة وحرف يدوية غاية في الجمال والدقة، وكلّ أشكال الإبداع الإنساني الذي تركه أجدادنا لنا يؤكدون على التطور التاريخي لأيّ شعب وعندما تتجه المؤسسات والأفراد في أيّ مجتمع كان إلى البحث وتسليط الضوء على تراثهم الشعبي ويجعلونه بين أيدي أبنائه إنّما يسعون إلى تعميق أواصر التواصل بين الأجيال السابقة واللاحقة وهذا الجانب الحضاري للأسف لا يزال يعيش في الظلمة ويحتاج إلى من يسلّط الضوء عليه ويخرجه من سباته عن طريق إيجاد جمعيات ونوادي ثقافية تهتم بالفلكلور والفنون الشعبية وإلى مؤسسات ترعى هذه الجمعيات من أجل الحفاظ والحماية لتلك المصنوعات والمشغولات التراثية.
 

 

الفئة: