أطفــــال يتبرّجـــون لاســـتقبال الـعيد

العدد: 
9173
التاريخ: 
الأربعاء, 15 آب, 2018
الكاتب: 
هدى علي سلوم

يجوبون طرقات المدينة بأمل دون حذاء، وضجيج فرح قدوم العيد يسكنهم ليعلو نشيد الروح وتمتد الأمنيات، فهل يطفو فرح العيد على وجه البؤساء، وهل تجود السعادة والإحساس بالعيد مع الحاجة والإفلاس؟
وأطفال يسعون في مناكب هذه الحياة، يخرجون من بطون حاويات القمامة القابعة في أحياء الأغنياء، وسط بنايات مغمضة العينين عنهم، فتخرج وجوههم البريئة وقد لونت بسواد ظلمتها المغطسة بمواجع هذه الأيام، وكانوا أن أمسكوا ببعض لقيمات خبزهم وسبل عيشهم،ليجرون أذيال أحلامهم مع عربة مثقلة بالبلاستيك والكرتون ومغلفات ينشدون منها فرح عيد قادم، فهل لهم فيه نصيب؟


ثلاثة رفاق بملابسهم الرثّة، وبطونهم الغائرة بن أردافهم، ووجوههم الملطخة بأوساخ الحياة، يجرون عربات أطفال قديمة وقد غاصت فيها أشياء وأشياء، وقد حمل أحدهم بين يديه لعبة يؤرجحها بين حين وآخر، ورفيقيه يلفان عليه ذات اليمين وذات اليسار، وكأنهم وجدوا كنزاً وهو يشدو بقوله: هذه لأختي فرح.. وأين الفرح لهؤلاء؟
ما إن اقتربت منهم حتى سارعوا في خطاهم، وهم يرموني القول معاتبين ملومين: ماذا تريدين، لا ..لا تصورينا أرجوك، ليست هذه اللعبة لك، وجدتها مرمية في الزبالة..
فاكتفيت بما قاله، ووقفت طويلاً أراقبهم وأتأمل الفرح الذي يطيرهم في مهبّ الطريق، فقد وجدوا فرح العيد في تلك اللعبة وكان فيها كفاف يومهم، فتركتهم يحلقون بعيداً وعدت أدراجي أبغي أسواق العيد.
 

 

السوق يعيش اليوم أوج أيامه وكأنه في عرس، وقد تبرج بكلّ ما لذّ وطاب، وزاد في جماله ألوان صنوف المواد الاستهلاكية والملابس والحلويات، فالعيد قادم وكل ناسه في جلبة وعلى تجاره ليس غلبة، ليعلو صوت أحدهم ممن افترش الطرقات بملابس قطنية للصغار، أي قطعة بخمسمئة.. ويأتي منادي آخر: بمئة الجوارب، لتبدأ المزايدات ..
 ثلاث أطفال يجرون بصعوبة عربة كبيرة مثقلة بعشرات الكيلوات من الدفاتر والأقلام، والتي حملوا عليها آمالهم المثخنة بفرح العيد، مشيت بجانبهم فأصابوني بطرف عيونهم ببعض النظرات، فقلت للكبير فيهم: تبيع الأقلام والدفاتر والألوان فأي منها اخترت لنفسك؟ أنت في المدرسة؟ فردّ: لا، تركتها منذ زمن ولم أنل غير الشهادة الإبتدائية، فأسرعت أسأله عن السبب، فأحجم عن الردّ وقد غاص في أعماق بحار نفسه وغرق بلا جواب، فقلت: ألا تحبها؟ قال: بلا .. وأشتاق لرفاقي وأساتذتي... إذاً ما الأمر ..أين والدك ؟ فرد: والدي وراءنا  أبو محمد)
التفت خلفنا لأرى سيداً متأنقاً يرفع نظارته على رأسه، ويجر عربة كبيرة حملها بالمزيد من القرطاسية والشناتي المدرسية، انتظرت إلى أن حطوا برحالهم على ذاك الرصيف في قلب ساحة الشيخضاهر وسألته عن الأولاد والعيد وغيره من الأحوال فأشار إلى أنه يبيع هذه البضاعة مع اقتراب موعد العام الدراسي وفتح أبواب المدارس، وأولاده الستة يتعلمون، وثلاثة منهم الكبار يساعدونه في العمل، وقد فاتتهم أعوام من الدراسة لذلك هم ينالون الدروس في الكنيسة للحاق برفاقهم في المدرسة، فقد هجرنا من حلب وترك أولادي مدارسها .
وهل سيكون لهم عيد، وما شكله؟ فأجاب: من المؤكد سيكون لهم عيد، يحبون البحر وهو منّا قريب، كما لهم ملابس العيد وطيباته كغيرهم من الأولاد، وكان أن دعاهم لاحتضانهم بصورة رسمتها لهم في كاميرا الموبايل...
في طريق عودتي، وفي نفق الجامعة وجدت (أبو العز) الطفل المسكين ذو السنوات العشر، وأيّ عزّ هو فيه، يستنطق الغادي والبادي أن يدس  يده في جيبه ويرمي له ببعض الليرات، فالعيد قادم ولا يرى له ألوان، ناشدته أن يجيب ويسمح لي بصورة، فرد :أرجوك ..لا، لكن حين ابتعدت صورته بملامح وجه عيد بعيد، بعد أن سألته عن والديه اللذين افترقا ولا يعلم عن والده شيئاً فقد اختفى بين طيات تفاصيلها، وأخوته الثلاثة يعيشون بالجوع، فما كان بين يديه صنعة ولا عمل غير طلب حاجته من الناس، فمنهم من يرأف بحاله وأكثرهم لا يعيرونه اهتماماً، أمّا كيف سيقضي العيد؟ يجيب والحسرة تربعت قسوة على وجهه: ما بعرف ..
 

الفئة: