الأدب في زمن الحــرب مهمــــة صـــعبة تعكـــس الألـــم

العدد: 
9172
التاريخ: 
الاثنين, 13 آب, 2018
الكاتب: 
مهى الشريقي

يعكس الأدب، عبر كتابات الأدباء، على اختلاف أجناسه واقع المجتمعات والشعوب بحلوها ومرّها، بحربها وسلمها.
ليشكل مرحلة وعي ثقافي، حياتي، معرفي، يسهم في تطوير المجتمع ونهضته والتعلم من الأخطاء. فنرى في الأدب أحياناً توثيقاً، تأريخاً ويمكن أن يكون في بعض الأحيان، أي الأدب، ذاكرة الشعوب وقد يكون من الهام جداً والضروري أن يسجل الأدب لمراحل حاسمة ومفصلية لينقل للخلف فترة زمنية تؤسس لمعرفة أو رؤى وثقافة على مر الأجيال.
ما مرت به سورية خلال سبع سنوات من حرب ودمار ووجع وألم كان محطّ أنظار العالم، أدهش وأذهل العقول والمشاعر، وقد يكون الأدباء أقدر من غيرهم على نقل وتصوير وتجسيد هذه الأوقات العصيبة ، فهل نجح من دخل تجربة الكتابة عن هذه الحرب الشعواء؟ أم أنها كانت محاولات لحظية، آنية وجدانية إخبارية فقط.
فيما يلي نستطلع آراء بعض الأدباء حسب ما تيسر لهم من الاطلاع على كتابات زمن الحرب.
وقد يكون تجسيد وتصوير ونقل صور الحرب على اختلافها ليس بالمهمة السهلة أبداً ولكنَّها مهمة لا بد منها وتتطلب تضافر جهود الأدباء للإحاطة بصور واقعية حقيقية تنقل مسرح الحدث بمنتهى الصدق.
الأديب زهير جبور:
أجد من وجهة نظري أنه لم يصل مستوى التأليف والكتابة إلى وحشية الأحداث وتفوقها الكبير بالقسوة والدهشة لذلك كان الشعر أسرع في التعبير عن الحرب ووحشيتها وهذا أمر طبيعي لأن الشعر أكثر انفعالاً في آنية الحدث.
لكن لا نستطيع أن نصف كل ما قرأناه أو الذي توفر بين أيدينا من شعر أنه استطاع أن يصل إلى الحالة المطلوبة فمنها قصائد انفعالية طغت عليها الشعارات ومنها ما لم يلامس الحدث بأهميته ومنها قصائد وفقت إلى حد ما في هذا المجال.
القصة القصيرة لم تستطع أيضاً مواكبة الحدث وربما الأسباب يمكن أن نعللها بأن تفاصيل القصة القصيرة تحتاج إلى وقت طويل كي تتوفر عناصرها في ذهنية الكاتب وهذا ما نلاحظه في قصص وروايات الحرب العالمية التي ظهرت بعد مرور سنوات طويلة عليها. ومن الأوائل فيها هؤلاء الذين كانوا يعملون كمراسلين حربيين في قلب الحرب تمكنوا من الدخول في التفاصيل والفصل بين التأريخ كحدث والحالة الإبداعية التي يتطلبها الأدب.
أما الرواية فهي تحتاج إلى الوقت الأطول وتحتاج إلى معرفة التفاصيل أكثر وتحتاج إلى تهيئة الكاتب كي يكون دقيقاً في التوثيق والإبداع. ما ظهر من روايات حول الحرب السورية قليل جداً ولابد أنه سيظهر الكثير فيما بعد لكن أجد أنه من الضروري اختيار مجموعة كتاب وتشكيل شبه ورشة وتهيئة هؤلاء عسكرياً على الأقل للدخول في تفاصيل المعارك التي تحتاج هي أيضاً إلى توثيق أدبي وأظن أن مثل هذا الاقتراح يحتاج إلى عمل مؤسساتي لذلك فالأمر متروك حتى الآن إلى مقدرة الكاتب واستيعابه التام للعمل وانعكاسه عسكرياً ثقافياً فكرياً اجتماعياً وإلى أن يتحقق ذلك ستبقى محاولات قد يفي البعض منها بالغرض وقد لا يفي أما تجربتي أنا فلم أتجرأ أن أبدأ بالكتابة في انتظار أن تتوفر التفاصيل المطلوبة.
الشاعرة مناة الخيّر:
الأدب هو مرآة الواقع، يعكس أكثر من وجه من وجوه الواقع، كتاب الأغاني الذي لم يتحدث أبداً في السياسة أو المجتمع يعدّ مرآة عصره.
وإذا انتقلنا إلى الحرب التي شنت على سورية خلال سبع سنوات عجاف وكيف انعكست هذه الحرب بمؤثراتها الداخلية والخارجية وأبعادها الاقتصادية والعاطفية والإنسانية في كل ما كُتب على الساحة السورية على مختلف أجناس (قصة رواية شعر، مسرح، دراما، سينما)نجد أن تقريباً أن كل ما صدر في هذه السنوات إنما يحوم ويدور في فلك الأجواء التي خلفتها هذه الحرب ومع صدق المشاعر ونبل الغايات إلا أن الكثير من هذا الأدب إما أنه جاء مباشراً مباشرة فجة أفقدته عذوبة الأدب أو أنه كتب بلغة خطابية أحياناً أو تناول الأزمة من زوايا ضيقة وليس برؤيا شمولية كما يجب أن يكون الأدب. وهذا الأمر لا يقتصر على الحرب السورية. وإنما نجد روائع ما كتب عن الحروب العالمية جاء بعد سنوات طويلة من انتهائها. ولا نستطيع إلا أن نستثني بعض ما كتب في الرواية أو القصص أو الشعر، إلا أن الغالبية العظمى سقطت في المباشرة والمحدودية أو الانفعال.
فالأدب لا يكفيه المشاعر وإنما يحتاج إلى رؤية فنية ترتقي به فوق الحدث الآني الذي ولّده ليشمل كل الأزمنة ولا شك أن ما سيكتبه الأدباء السوريون لاحقاً عن هذه الحرب بعد اختمار مشاعرهم ورؤياهم واستيعابهم للحدث سيكون أفضل بكثير مما رافق هذه الحرب.
الأديب عبد الكريم الخير
بدأت بسؤال هام جداً لاشك أن الحرب الجائرة على سورية والتي اشتركت فيها أطراف مختلفة وجهات متعددة أرخت بظلالها على كل النواحي المعاشة في سورية وبالدرجة الأولى الناحية الثقافية لأن الثقافة ليست بعيدة عن الفن والفن تصوير الواقع بشكل يلفت انتباه المتلقي حاضراً ومستقبلاً  إضافة إلى أن الثقافة نوع من التأريخ لمرحلة ما، فالشعر كما نعلم هو ديوان العرب، أرّخ لفترات طويلة وبعيدة من بدء الجاهلية إلى النهضة الحديثة ولا يزال، أما أن نقول ما كتب غطّى الأحداث الرهيبة التي جرت في سورية، ففي ذلك مبالغة. ما كتب في كافة الأجناس الأدبية لم يعط الحقيقة الكاملة  لما جرى ففي كل دقيقة من هذه السنوات الثماني كان هناك قصة موجعة فيها دم ودموع ودمار ومن أين للفنان أو الأديب أن يصوّر كل هذه الدقائق الطويلة؟ ومع ذلك استطاع بعض الكتّاب والشعراء، تصوير جوانب هامة مما لاقته سورية وشعبها، وأعطي مثالا،ً من أين لمصور أو لأديب أن يصوّر أحاسيس أمّ فقدت أبناءها ومازالت وهي تبكي تحمد الله أنهم حموا الوطن؟ من أين لشاعر أن يعطي مقاتلاً حقه وهو مبتور الرجلين ومازال يمتطي دراجته النارية ويحمل بندقيته ويمشي مع الجيش ليشاركهم في ساحات القتال بعد أن استشهد أخوه وهو يقسم أن لن يتخلى عن القتال حتى يثأر لأخيه ورفاق أخيه من الشهداء.
ما كتب قد يكون هو من باب التذكير لما حصل لكنه لا يستطيع أن يوثق الأدب إلا لحالات محددة ولا يستطيع أن يشمل كل ما جرى، ولكن انتهاء هذه الحرب بانتصار سورية يخفف من آلام شعبها ليستعدوا لمعركة البناء المتجدد وخلق سورية جديدة مع الحفاظ على قيم الشعب السوري وحضارته.
كل ما كتب لم يرق إلى مستوى الحدث
الأديب بديع صقور
بما أن الأدب هو تصوير وتوثيق لما يجري من أحداث يعيشها الأديب وتكون ذات أثر عميق في نفسه من خلال المجريات التي تحدث إبان حياته من حروب وكوارث ودمار وموت وما أحداث سورية إلا صورة واضحة عن حرب قذرة شنها الإرهاب برعاية الغرب على حضارة من أقدم الحضارات وأعرقها، معرفة وثقافة هذه الحرب الكونية أثرت كثيراً في نتاج أدباء سورية الذين عايشوا هذه الحرب فجاءت شعراً وقصة وربما عدداً من الروايات التي أرّخت لهذه الأحداث هناك قصص كثيرة وقصائد كتبت عن بطولات الجيش العربي السوري وشهدائه الذين ضحوا من أجل أن تبقى سورية حرة كريمة.
لأن الشعراء والأدباء ضمير الأمة وهم حملة مشاعل النور على طريق الحرية والسلام، في الكلمة في القصيدة التي تنبض بحب الأرض والإنسان تبقى خالدة خلود الإنسان لتروي للأجيال القادمة عن بطولات الذين ضحوا من أجل الوطن هذا الأدب يؤكد على صمود شعبنا وعلى تضحياته وعلى ما قدمه شباب هذا الوطن وأمهاتهم كي تبقى رايته خفاقة حرة كريمة، هذا الأدب  استطاع أن يصل إلى نفوس أبناء الشعب وأن يحكي عن بطولات جيشه وتضحياته للخلف ليكون درساً لهم نهتدي به من أجل بناء الوطن وعزته وسلامته.
 ما كتب حتى الآن ربما هو غيض من فيض لأن القصيدة والحدث حينما يختمران في الرأس يجيئان على شكل قصيدة أو قصة مشبعة بالإبداع ولن يمضي وقت طويل على هذه الحرب إلا وسيكون هناك إبداعات وعطاءات جديدة تؤرخ وتوثق لهذه الحرب الظالمة لأن الأدب يحتاج إلى وقت كي يختمر لا بد أن ما كتب لغاية الآن استطاع أن يعبر جزئياً عن هذه المرحلة.
لكن الأيام القادمة ستكون كفيلة بأن تفيض علينا بإنتاج إبداعي من خلال ما يختمر في أذهان الشعراء والأدباء من صور وأحداث مرت أمامهم فترسم أقلامهم ولوحاتهم وقصائدهم وفنهم أدباً جميلاً.
أدب الحرب
- الأديبة أمل حورية:
إن الأدب بكل أنواعه (الشعر- القصة- الرواية) وحتى المسرحية والمقالة، هو انعكاس للواقع، فالأديب لا يعيش في برجٍ عاجي  بعيدٍ عن واقعه، وعن قضايا مجتمعه فما بالك إذا كانت القضية بحجم وطن شنت عليه أبشع وأقذر الحروب همجية  ولؤماً، فكيف لا يحرك جرح الوطن الذي ينزف أبناءه، وزهوره وأطفاله، ضمير ووجدان الأدباء، إذا كان هذا الجرح قد حرّك الحجر والصوّان من هول ألمه.
بالنسبة لي ككاتبة في مجال القصة القصيرة أصدرت مؤخراً مجموعة قصصية بعنوان (شام إيل) أي (شام الإله) والتعبير هنا مجازي يقصد به إن الإله لا يموت، والشام لن تموت مهما تعرضت لنيران العدوان الوحشية وستصمد أمام تآمر المتآمرين.
 ضمت المجموعة الكثير من القصص التي لامست أوجاع الناس في ظل هذه الحرب المقيتة، فلا نكاد نرى بيتاً من بيوت سورية إلا وقد قدم شهيداً، أو عانى من ويلات التهجير أو النزوح، أو الهجرة... وفي القصة التي عنونت المجموعة باسمها (شام إيل) تتحدث عن الطبيبة (شام) التي رفضت الهجرة مع زوجها وأولادها وقررت البقاء في بلدها لتتابع رسالتها الإنسانية في معالجة المرضى، وفي النهاية تفقد كل أفراد أسرتها في تفجير إرهابي آثم.
وكذلك قصة (العنب والنحلة) و (الكرة المطاطية) (وخارج التغطية) و(الفراش المقدس).... إلخ
وهذه القصص لا تؤرخ مرحلة الحرب، فليس المطلوب من الأديب أن يكون مؤرخاً، أو موثقاًُ، فالكثير من الأدباء تحدثوا في رواياتهم عن أحداثٍ اجتماعية تتعلق بالحرب العالمية الأولى أو الثانية وأيضاً تحدث (حنا مينه) عن سفربرلك وهذا لا يعني أنهم قاموا بالتأريخ أو التوثيق، بل عكسوا آلام وأوجاع الناس في ظل هذه الحروب أو المجاعة، التأريخ له مختصون، يقدمون لك الحقائق المجردة عن التفاصيل اليومية والمعاناة  الفريدة لأشخاص قد يمثلون شريحة واسعة من الناس أما الأدب فيلامس الروح.... يُلهب الوجدان ... يعيش في ذاكرة الروح والضمير.
تعقيب
قد لا يتسنى لأحد أن يقرأ أو يقع بين يديه كل ما كتب عن هذه المرحلة الصعبة التي مرت بها بلدنا الحبيبة.
ككل تجارب الحياة قد يكون هناك من نجح من الأدباء وقد يكون هناك من لم يوفق وتختلف الآراء في هذا السياق.
وما تسليطنا الضوء على أدب الحرب إلا من باب التوعية بأهميته وضرورة أن يكون هناك كتابات تصور لهذه المرحلة المفصلية حتى وإن كان بعضها كما يصفها البعض مجرد محاولات انفعالية وجدانية لا تتعدى مرحلة الأدب الإخباري.
فأن يكون شيء أفضل من لا شيء.
 

الفئة: