غسل اليدين أصل الدين

العدد: 
9172
التاريخ: 
الثلاثاء, 14 آب, 2018
الكاتب: 
نور نديم عمران

يحكى أن شيخاً حكيماً ذو مكانة وجاه في قومه، كان لا يرد طالباً إن وجده يستحق الطلب..
ويحكى أن طلاباً اصطفوا في داره ذات مساء، فقال أولهم: سيدي، هل لي أن أستدين عشر قطع ذهبية من شيخنا الطيب؟
رد العجوز متسائلاً: قبل أن يكون ذلك هل لي بمعرفة عدد المرات التي تغسل فيها يديك يومياً؟
ضحك الرجل ثم أجاب: حين أستيقظ..
هزّ الشيخ رأسه نافياً باشمئزاز وردّه خائباً، فتقدم الثاني: أتدينني خمس قطع ذهبية أعيدها لك بعد شهرين؟
عاد صاحبنا ليسأل: ماذا عن غسيل اليدين؟
أجابه بكل برود: حينما أجد لذلك داعياً، ربما مرة وربما مرتين.
فما كان له إلا ما كان للأول، ثم جاء ثالث قائلاً: سيدي الكريم هل تفضلت وأدنت عبد الله الفقير وفرجت همه بمئة قطعة نقدية يدعو لك بطول العمر ودوام العز..
سارع الشيخ إلى سؤاله: يا صاحب اللسان الفصيح، هل يداك نظيفتان كلسانك؟
* ما قصدك؟
** متى تغسل يديك؟
* هذا الشيء منه كثير، كلما قمت إلى صلاة أو عمل، وكلما انتهيت من أمر وأتممته..
مدّ الرجل العجوز يديه إلى جيبه وناوله قطعه المئة...
صرخ الأول متحججاً، وتأفف الثاني متذمراً، كيف تمنع عنّا خمس عشرة قطعة وتمنحه المئة، وما علاقة غسل اليدين بذلك؟
ضحك العجوز قائلاً: أليس من حقي الاطمئنان  إلى أن اليد التي سأقبّلها حين أذهب لأطلب نقودي  ستكون يداً نظيفة؟
(وهذا لسان حالي) هكذا قالت محدثتي: (كلما طرقت باباً أو  هتفت مستعجلة لردّ دين قديم شعرت بالإحراج، وخجلت من نفسي لأنهم يجعلونني أبدو عديمة الإحساس بأحوال الناس، نعم أعد للألف قبل السؤال عن حقي، وتتعثر الكلمات على شفتي وغالباً تأبى الخروج، كل عسر أقول: لن أعود لأقرض أحداً لكن مع كل يسر أشكر ربي  وأنسى عهدي ولا أذكره إلا حين أقع في ذات المطب من جديد).
وتمزّقني ضحكتها، تحرك آلاماً لجروح لم تلتئم بعد، وتقطع علي تفكيري: هل تريدين قصة أخرى عن القريب الذي استدان مالاً لشهر وأدار ظهره دهراً، أو عن صديقة تقول لك: إنها ثلاثة آلاف ليرة فقط، هل كسرتك حقاً، أو ثانية تتجنب الاتصال بك والاعتذار، وتلومك إن صرحت أو لمحت، أو عنها سألت، وثالث ينسى وقوفك إلى جانبه ليخبرك بضيق أن -صرعتنا- هي خمسة آلاف لو اضطررت للذهاب  إلى المريخ سأحضرها لك...
طبعاً كلها ديون صغيرة، لكنها معاً تؤلف مبلغاً كبيراً يسندني.
اندست يدي في حرج لتخرج مبلغاً صغيراً قد يساعدها في تجاوز ضائقتها الحالية، أعادتها وقالت بسخرية: وهل استردت حضرتك  ديونك لتوزعي ما معك؟
الحال من بعضه ولولا ذلك  ما تجرّأت لأحدّثك بصراحة، ومضت تاركةً إياي مع دفتر الحسابات القديم، ودفتر الهواتف الكبير وأصابع خجلة من أن تطلب  رقماً.

 

الفئة: