هكذا أنا أكثر قوّة

العدد: 
9172
التاريخ: 
الثلاثاء, 14 آب, 2018
الكاتب: 
نعيم علي ميّا

عندما لا يكون لديّ ما أفقده سأكون أقوى أكثر بكثير ممّا يعتقده الآخرون, ولأنّي لا أملك شيئاً يتطلّع إليه الآخرون لا لشيء إلاّ لأنّهم غير مقتنعين بما أملك،فأنا الأقوى.
بمثل هذه الكلمات على كلٍّ منّا أنْ يُخاطبَ نفسَه, وأنْ يعرفَ قدرَ نفسِه, بما امتلكَتْ وملكَتْ, لأنّ المرءَ لن يكونَ قويّاً إلاّ إذا استمدّ قوّته من أعماقه, فكثيرون هم الذين يعتقدون أنّ القوّة تأتي من الخارج والمحيط, وهم بهذا إنّما يعترفون بضعفهم وبأنّهم لا يملكون شيئاً يجعلهم أقوياء, وإنْ لم يكونوا أقوياء فهم غير موجودين, لأنّهم أنكروا ذواتهم.
  ولا بدّ لنا في معرض حديثنا عن الذات والقوّة والوجود وكلُّها موضوعاتٌ ذاتُ بُعدٍ ومضمون تستحقّ الحديث فيها منفرداً, ولأنّنا اليوم نجمع بينها فإنّنا نؤكّد أهميّة الشّعور بأنّ المرء لن يكون قويّاً إلاّ إذا كانت هذه القوّة نابعة من أعماقه, ولن تكون أعماقه لتُشعرَه بهكذا شعور إنْ لم يُدرك ذاته, هذه الذات التي تؤمن إيماناً قويّاً راسخاً بالقدرة على الثّبات في وجه الأعاصير والعواصف التي ستهبّ عليه من كلّ حدبٍ وصوب.
وهنا تأتي القوّة بالفعل والقوّة بالوجود على معنى وجود الموجود ودليل البقاء في عالم الموجودات التي لا تزول ولا تحول بل إنّها باقية ما بقيت الحياة, هذه القوّة التي تجعل المرء قادراً على البقاء انطلاقاً من عدم امتلاكه ماديّات القوّة بل اعتماداً على معنويّاتها التي لا تنفكّ تمدّه بالأسباب التي تجعل منه ريحاً قادرةً على البقاء معلّقة ما بين الأرض والسّماء, ريحاً تُعيد رسمَ اللوحة التي تأتي عليها من خلال الوقوف عند تفاصيل صغيرة تُعيد إنتاج التّفاصيل لتُعيدَ الصّورة وتجعلها تُعيد قراءة نفسها مرّة أخرى, فهي لا تمسح غبار الجدار بقدر ما تجعلها تنطلق إلى الاهتمام اليوميّ بل مع كلّ حركة وملامسة لهذه الرّيح.
وهكذا هو المرء الذي يُعيد إنتاج ذاته مع كلّ موقف قد يكون وقتيّاً, يوميّاً أو ساعيّاً, حسب قدرة هذا المرء أو ذاك على الاهتمام بالعمق والتّفاصيل التي ترسم المستقبل انطلاقاً من الحاضر الذي هو امتداد للماضي, وإذا ما أراد المرء أنْ يكون سعيداً فلابدّ له أنْ يقف مطوّلاً عند هذه الثّلاثيّة (الماضي – الحاضر – المستقبل) التي لا يمكن للمرء أنْ يستوعب الماضي فيها ولا أنْ يحتفظ به, كما لا يستطيعُ أنْ يُدرك المستقبل لأنّه قد لا يأتي, وأمّا الحاضر فأعتقد أنّها من أصعب اللحظات وأدقّ التّعريفات, تلك اللحظة التي يُدركها المرء للحظتها وآنيّتها بعيداً عن سابقتها وتاليها,فلا هو بالقادر على الإمساك بالزّمن ولا هو قادر على التّخلّي عن الارتباط بهذا وذاك, ولكنّه القادر على أنْ يصنع من هذه الثّلاثيّة ذاته التي تمنحه القوّة والوجود, كما تمنحه عظمة الحياة وروعتها, هذه الحياة التي تتجلّى في البقاء وقبل وبعد وأثناء ذلك بل في كلّ تفصيل من تفاصيل المعاني تتجلّى في الاستمراريّة التي لا تأتي إلا من مفهوم القوّة المعنويّة لا المادّيّة التي يؤمن بها بعض الذين لا يجدون لأنفسهم مكاناً ولا موضعاً إلا في الوقت الآنيّ المتوقّف الذي يجمد عند لحظة من لحظات الزّمن الأبديّ الأزلي.
ومن هنا واعتماداً وانطلاقاً من هذا الأمر فإنّه بإمكان المرء أنْ يختار عمره الذي يريده, ويُحدّد الحديث الذي يتناوله الآخرون فيه وبه بعيداً عن حرف الجرّ عليه.
لأنّه ما من أحدٍ إلاّ ويُدرك أنّ القوّة التي تنطلق من الذات تجعل هذه الذات حاضرةً وبقوّة, ولا يجرؤ أحدٌ التّطاولَ عليها لا لشيءٍ إلاّ لأنّ هذا المُتطاول ليس بمقدوره أنْ يطال هذا المفهوم, فهو بعيدٌ جدّاً عن ذاته وغريبٌ عنها لا يجدها ولا تجده, بل إنّّ الآخر لا يجده إلا إذا أراد له أنْ يكون أداة من أدواته.
لذا عليك أيّها الإنسان أنْ تعرف أنّك الأقوى لأنّك لا تملك شيئاً لتفقده, بل إنّك الأكثر قوّة عندما تمتلكك ذاتك وتصبح أنتَ هي بمقدار ما تكون هي أنت.      

 

الفئة: