عندمــــا ينطــق الحجــر

العدد: 
9172
التاريخ: 
الثلاثاء, 14 آب, 2018
الكاتب: 
رشيد شخيص

 - كتب أحد المؤرّخين الأجانب: (كانت إقامتي في بلدكم سورية، سلسلة متّصلة من الدهشة  والإعجاب، والمتعة العلميّة،حقّاً .. إنّ تاريخكم غني جدّاً بالفنّ، والثقافة، والعلم، والمعرفة، والجمال . ففي كلّ ركن تتحدّث إليك الآثار قائلة : أنا من العشرة الأوائل في العالم، الذين أفادوا البشريّة والمجموعة الإنسانية  منذ فجر التاريخ حتى الآن، وفي طليعة العشرة الأوائل، مخترع الأبجديّة, وعازف الموسيقى، وصانع الزجاج الملون، وزارع القمح، ومخترع قالب سكّ النقود والعملات ، وصانع التواقيع والأختام، وكاتب العرائض والأحكام ، وواضع الشرائع والنظم التربويّة والحقوقية، ومستخرج العطور من الزهور،ومكتشف الألوان والأصباغ الأرجوانية، ومخلد الجمال في المنحوتات الرخامية، والتماثيل الصخريّة وكلهّم، من بلدكم سوريّة، هذه البقعة المباركة من الأرض، التي أضحت ملحمة كبرى من ملاحم العطاء الإنسانيّ الحضاري المتميّز .)
- وإذا كان من حقّ كل إنسان أن يعتزّ ويفتخر بتاريخ بلاده وحضارتها وإنجازاتها الكبرى التي قدمتها للبشريّة، فمن أجدر من المواطن العربي السوري، وابن الساحل السوري على وجه التحديد أن يعتزّ ويفتخر باللاذقية، عروس الساحل السوري، حضارة المتوسط الأولى ؟!
 - تؤكد  جميع المصادر التاريخية، والوثائق والرقُم المكتشفة، على أن باني مدينة اللاذقية هو أحد القادة في جيش الاسكندر الكبير واسمه (سلوقس نيكاتور) في العام 300 قبل الميلاد . وكانت قبل ذلك قرية صغيرة اسمها (راميتا) يسكنها الكنعانيّون  الفينيقيّون التابعون لمملكة أوغاريت الزاهرة.
- بنى (سلوقس نيكاتور) ست عشرة مدينة تحمل اسم انطاكية تيمناً باسم والده (أنطوخيوس) كما بنى تسع مدن تحمل اسم (سلوقيا) أي اسمه الشخصي، وسبع مدن تحمل اسم (لاتاكيا) تيمّناً باسم والدته، وثلاث مدن تحمل اسم زوجته (أفاميا) كما بنى (باروا) أي (حلب)  ومدينة أداسا (الرها) ومن بين (اللاذقيات) التي أسّسها تبقى (لاذقيتنا) عامرة زاهرة تتقدّم باستمرار لأنها الوحيدة المطلّة على البحر الأبيض المتوسّط، ولأنها تحمل شعلة العلم والحضارة منذ ذلك الزمن بينما تضاءل شأن اللاذقيّات الأخرى, حتى زال بعضها من الوجود  .
-- تعرّضت (اللاذقية) لغزو شعوب البحر مثل بقيّة المدن الساحليّة وتغيّر اسمها وتبدّل مراراً عديدة، حسب المراحل الزمنيّة،وأمواج الغزاة المعتدين،لكنّها صمدت وانتصرت وتحررت من الغزاة  ومن الاحتلال بجميع أشكاله وألوانه .
 -  حملت (اللاذقية) على مرّ العصور أسماء عديدة  منها : راميتا – جوليا يا ريموتا – مازابدان – لوكي آكته – لاواديسيا – راماساس – سبتمبا – لاليش وفي سنة 395 م أصبحت جزءاً من الامبراطوريّة البيزنطيّة،وكانت اللاذقية قد اعتنقت المسيحّية  على يد أحد رفاق (بولس) الرسول، وهو الأسقف (لوقيوس) ثم شهدت بناء (دير الفاروس) الذي يصفه أحد المؤرخين بأنّه أحسن الأديرة في بلاد الشام، وقد زاره الشاعر المعرّي سنة 990 م وناظر علماءه في المنطق والفلسفة، وكلمة (فاروس) باليونانيّة تعني (المنارة).
- عاد (للاذقية) اسمها الأصيل مع القائد العربي عبادة بن الصامت، الذي أطلق عليها اسم (لاذقية العرب) لتتميّز عن باقي(اللاذقيّات) وقصة تحرير اللاذقية أختصرها للحقيقة والتاريخ،ودفعاً للملل فيما  يلي: شهد العام 636 م وبالتحديد /20 آب / انتصار العرب التاريخي على الروم في معركة اليرموك الشهيرة وبعدها تمّ تحرير دمشق الشام صلحاً على يد أبي عبيدة  بن الجراّح، وعنوة بعد قتال عنيف مع حاكمها (توما) الروماني، على يد خالد بن الوليد، وبعد هذا النصر العظيم، تم تكليف عبادة بن الصامت،بتحرير اللاذقيّة، فحاصرها . من جهة البر فوجدها محصّنة بسور ضخم منيع، وست بوّابات  هي بوابة القلعة، وبوابة الأشرفية وبوابة الصباغين، وبوابة الشيخ ضاهر وبوابة هود وبوابة المينا ولا يستطيع فتح البوابة سوى جمع من الناس  .
عسكر عبادة وطلائع جيشه على بعد من أسوار المدينة، ثم أمر ليلاً بحفر (حفائر) كبيرة مموّهة خبّأ فيها خيرة فرسانه، وتظاهر الجيش العربي بالانسحاب، ولمّا أطلّ الصباح، رأى الرومان أن الجيش العربي قد انصرف عنهم، ففتحوا البوابات، وأخرجوا سرحهم وقطعان ماشيتهم للرعي خارج أسوار البلد، فلم يروا إلا والجيش العربي وفرسانه يخرجون من الحفر الممّوهة ويحررون المدينة دون إراقة قطرة دم واحدة، وبلغ من تسامحهم أنّهم خيّروا الرومان،إما البقاء في اللاذقية،كمواطنيها، وإما العودة إلى بلادهم التي جاؤوا منها  على متن سفن عربية وبحراسة مشدّدة .. وهذا ما دفع المؤرخ الشهير (غوستاف لوبون) لأن يقرّر جملته الشهيرة : (ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب) وقد آثر الكثيرون منهم البقاء في اللاذقية, مما دفع (عبادة) إلى إعطائهم حرية العبادة، وترك لهم كنائسهم وأديرتهم، وقد بنى عبادة بن الصامت، جامعاً يطلّ على البحر / هو جامع المينا / حالياً، وقد تهدّم بفعل الزلازل فأعاد بناءه الريس حمادة التونسي سنة 1748 م . كما بنى جامع المسعود بن هاني الذي يطل على البحر، ولا يزال موجوداً حتى الآن وفيه ضريح الصحابي الجليل الذي يتصل بالقرابة من رسول الله (ص) وهو ابن خالة سيدنا الإمام علي بن أبي طالب، والقبر يزار حتى الآن، وشكلّ هذا الجامع مسجداً للرباط يعتكف فيه كبار القادة للدفاع عن الشواطئ الشامية، ضد أي غزو أو اعتداء غاشم .
- لعل ما يحقّقه بواسل جيشنا العربي السوري البطل من انتصارات متلاحقة أذهلت العالم، بما تضمنته من صمود عظيم، وبطولات وشجاعة، وإقدام، وتضحية، وشهادة . وفداء، وفي مواجهة أشرس حرب كونيّة، شنّت على بلادنا العزيزة الغالية التي تتوّج الآن بغار الانتصار, بعد أن تحررّت من دنس ووحشيّة الإرهاب العالمي وداعميه وممّوليه .. ولنا من كلمات  رئيسنا المفدّى بشار حافظ الأسد خير دليل على ارتباط أمجاد الماضي العريق بالحاضر الزاهر المجيد، وليسجل التاريخ بمداد من ذهب أقوال القائد البطل مخاطباً بواسل الجيش العربي السوري في عيد انتصاراتهم : (آب 2018).
 (يا حُماة الوطن وصنّاع الانتصار, إنكم اليوم تسطّرون ملحمة من ملاحم المجد, وتكتبون بصلابتكم وعزمكم وإصراركم ملامح النصر القريب، وترسّخون الأمن والاستقرار في ربوع وطننا الحبيب ليعود كما عرفناه آمناً  مطمئناً ومعافى، فكونوا على العهد دائماً حماة الأرض والعرض وحرّاس الشمس التي لن تغيب عن وطن الحضارة والأبجديّة .)
 

 

الفئة: