مزارعون وتجار صغار .. هاوية عيش وبسطة على رصيف

العدد: 
9171
التاريخ: 
الاثنين, 13 آب, 2018
الكاتب: 
هدى سلوم

تحتشد حياة أناس بكل تفاصيلها على أرصفة المعيشة وحواف الطرقات، يفترشون على بساطها بعضاً مما جنته أيديهم في الزراعة أو الأشغال اليدوية أو حتى بعض مقتنياتهم التي يأسوا في تجميعها وعند الحاجة والضيق وجدوا فيها رمق الحياة، لكن الذي يجري ويقطع أوصال عيشهم أن تأتي البلدية وتصادر بضائعهم لتقطع عنهم فتات عيشهم، الذي يعانون فيه الويلات، وتكدر رب البيت والزوجة والأولاد، فهم يشغلون الأرصفة ويعيقون مرور الناس عليها بأمان، كما أن مشهدهم يسيء للمدينة ويشوه صورها التي نبغي فيها دعوة السياح وجلبة الاصطياف، لكن لا بد أن نعيش .
وقع أقدام المارة على الرصيف تلسع مسمعهم، وتصيب فيهم الفؤاد، وإن عبقت نسائم الريف في أنوفهم وزكمتها بالطيب والخير انحنت أجسادهم لنضارتها وجمالها، واختاروا منها ما يطيب لهم للأكل والمذاق .

 

أبو يونس، عمره تجاوز السبعين، اختار الرصيف المجاور للمقبرة والمقابل لمبنى مديرية الصرف الصحي، ما إن وضع حمله من الخضار، ونتاج حقله حتى انكب المارّة في ذاك الرصيف عليه، وسألوه بعض الكيلوات من اليقطين والبامياء والفليفلة الخضراء التي وضعها في أكياس بأحجام صغيرة لا يتجاوز وزنها العشرة كيلوات، كما أن ابتسامته اللطيفة جعلت كل من يمر صوبه أن يعكف إليه ويشتري منه ما يحتاجه لطبخه، ليتفق الجميع على طبخة اليوم قولاً واحداً هي البامياء بالتأكيد.
اكتست ملامحه الدهشة بسؤالي أن أصوّره، وقال: (ما بعرف، متل ما بدّك) فصوّرته وكان أن اقترب الجميع منه مستغربين، حتى كادت تنفض خضاره من بين يديه، حيث أشار إلى أنه يأتي من صلنفة إلى المدينة كل أربعة أو خمسة أيام،  حاملاً ما يفيض عن حاجة العائلة والأقارب والأولاد، فلا سوق في قريته ليروج لبضاعته التي تعاني فيها الكساد، وهو غير موظف ويحتاج إلى بعض المال، لشراء حاجياته وزوجته وبيته، فالأولاد الخمسة قد (طيروا) وأصبحت لهم أعشاشهم وأزواجهم وتكفيهم الواجبات والمسؤوليات، وهو يترفع عن طلب حاجته أو حتى السؤال، طالما يمتلك الصحة ويعمل في أرضه باجتهاد والحال مستورة والحمد لله.
أم مالك، في منتصف السبعينيات من العمر، وصحتها عال العال وكأن الطبيعة والعمل في الحقول من الفجر وبزوغ الشمس يمنح السعادة وطول العمر، افترشت ما استطاعت حمله على رصيف في سوق الريجة بعيداً عن المحال وكوات الخضرجيين الذين لطالما طلبوا منها الابتعاد عن أبواب دكاكينهم، فكان في جعبتها بعض الأعشاب والرياحين التي نالت منها مسير أيام في التلال والجبال، لتأتي بها في كيس كبير، وتجلس على حافة الرصيف بين أقدام المارّة وعلى وقع نغماتها تصنفها وتبوقها بحجم واحد وتشد عليها الوثاق، وتضعها بأكوام بعد أن تمسح عليها بيديها بكل لطف وحنان، وتضع بجانبها بعض كيلو من الفاصولياء واللوبياء، ترفض بالجزم والقطع تصويرها، وترد على سؤالنا حاجتها للبيع ببعض الجمل والعبارات المقطعة، وكأنها ترفض ما يجري لها فهي بعد عمر هنيء قضته مع الزوج الذي عزم وتوكل بعد هذا العمر أن تزوج وتركها بعد أن بدت عليها ملامح الكبر في العمر وكأنها من كبائر الأمور، وتركها بلا سند ولا مال، فكان منها تلم ما تجود به الطبيعة من عطر وبهاء تأتي به إلى هذا السوق، لتحصل على بعض فتات رزقها وعيشها يسدّ الرمق والجوع، وها هي بهذه الحال منذ سنوات خلت ويعرفها أهل السوق وناس هذا الرصيف.


كثيرون من هؤلاء الباعة الصغار الكسبة ينصبون خيم رزقهم، ويمدون بساط عيشهم على رصيف سوق الريجة، لكنهم يبقون أكثرها في الأكياس والكرتونات، للمّها بعجل إذا ما فاجأتهم البلدية ورجالها.
أبو النور، في خريف الأربعينيات من العمر، يجلس مرتاحاً مطمئناً على صندوق وضعه تحت شجرة وارفة يتفيأ ظلها من لهيب الشمس الحارقة في هذا الصيف، دنونا منه بعد أن رفض ولده _ صف تاسع، أن يدلي لنا بأيّ جواب أو استفسار، فكان أن صورناه وأشار بكل صراحة أنه مهجر ويسكن في ضواحي الدعتور بالإيجار مع زوجته وأولاده الأربعة وأمّه وأخته العازبة، وهو غير موظف ولا يملك المال، قال:
تهجرنا منذ أكثر من ثلاث سنوات من مزرعة خربة باز _ استربة صلنفة، تركنا أرضنا والبستان الذي كنت أزرعه بالخضار، كما يوجد فيه أشجار التفاح والجوز والكرز التي تقوم عليها حياتنا ومعيشتنا، فما كان لي إلا أن أشتري البقدونس وأبيعه بعد أن أنقيه وأبوقه،  ويرافقني ولدي في هذا العمل، لكن الذي يكدر الحال أن تأتي البلدية وتصادر بضاعتنا كما حدث منذ يومين، كنت غائباً عن ولدي لبعض الأعمال التي فيها رزق حلال، وعند عودتي وجدته يبكي ويشكي ويتلعثم بالكلام، فقد صادرت البلدية أكثر من خمسين ربطة بقدونس والتي تكلفنا ثلاثة آلاف وخمسمئة ليرة سورية ليذهب عملنا دون أجر أو ثواب، ونعود إلى البيت فارغي الأيدي والجيوب.
ويرد عليه أحد الواقفين جانبه (أبو نضال) الذين انحنوا لاختيار بعض الباقات للتبولة، لماذا لا يكون الحال كما في دمشق؟  ما إن تصادر بضاعة مخالفة على الرصيف حتى يدفع صاحبها غرامة ويعود بها، أنا مهجر من دمشق، وأسكن عند صهري زوج ابنتي (يكتر خيرو) أبغي العمل لكنه قليل، أعمل بما تيسر من الأعمال المأجورة والحمد لله ماشي الحال.
 

 

الفئة: