التقليد .. نســـخ غير مطابقـــة للأصـــل

العدد: 
9171
التاريخ: 
الاثنين, 13 آب, 2018
الكاتب: 
رنا ياسين غانم

مواقف تجعلنا نبتسم عندما يمرّ شريط الذاكرة أمامنا، فمن منّا لم يحاول تقليد والديه، إما بارتداء الحذاء ذو الكعب العالي أو بعض الملابس، أو من الفتيان لم يحاول حلاقة ذقنه وغيرها من المواقف الطريفة، لكن لماذا كنا نفعل هذا؟ لما كنّا ننتظر أن نكبر بسرعة؟
التقينا الأستاذ مصطفى أبو شاهين اختصاصي تربوي، للتعمق أكثر بموضوع التقليد، فكان الحوار الآتي:

الكثير من الأطفال يحاولون تقليد آبائهم إمّا باللباس أو الحركات، ما فائدة التّقليد؟
التّقليد أداة التّربية الأبسط والأكثر إهمالاً، وأهمّيتها تأتي من أهمّية موقع الوالدين نفسهما؛ فالطّفل يتكئ في سنواته الأولى إلى والديه، كمفتاح يكاد يكون الوحيد في العالم المحيط، فيحاول فهم العالم بالاستعانة بهما، لذلك يعمد إلى ملاحظة حركاتهما وسكناتهما، وتقليدها، وعلى نحو ما قد يفاجأ الأهل. وتبدأ صورتهما الأولى بالتّشكّل لديه، وهي صورة مثاليّة غالباً، يمكن تلخيصها بعبارة «أبي أو أمّي يمكنه فعل أيّ شيء». وهذه الصّورة تدفع الطّفل إلى رؤية والديه مثلاً أعلى، يسعى للتقرّب منه، وليكون صورة عنه، حتّى بأدقّ التّفاصيل. من هنا، نرى أنّ سلوك التّقليد، على اختلاف أنواعه (تقليد كلام، أو حركة)، هو جزء من عمليّة التنشئة الاجتماعيّة التي تمارسها مؤسسة الأسرة، والتي تساعد الطّفل على الاندماج في الحياة بفعاليّة، من خلال إكسابه عدّة مهارات في اللغة والتواصل وغيرها. والطّفل الذي يلاحظ تكرار (التكرار يساعد على الملاحظة) كلمة معيّنة من قبل والده، كلمة «شكراً» على سبيل المثال، سيقبل على استخدامها هو، والطّفل الذي يرى والدته تنظّف أسنانها كلّ مساء، سيعمد إلى المطالبة بفرشاة خاصّة به على غرار والدته، والعكس صحيح وخطير.
هل هناك سلبيّات لتقليد الأطفال؟
التّقليد، بحدّ ذاته، حياديّ في السنوات الأولى من عمر الطّفل، لكونه يحدث بصورة غير واعية في معظمه، وضمن مجرى النّموّ الطبيعيّ؛ لذلك فالأمر يتوقّف على السّلوك المقلّد؛ الجيّد يعطي جيّداً، والرّديء يعطي رديئاً لكن بالمقابل، لا ينبغي للتّقليد أن يستبدّ بشخصيّة الطّفل مع تقدّمه بالسّنوات، بل يفضّل الأخذ بيده لتطوير تفكيره النّقديّ، وبناء شخصيّته المستقلّة. فالتّقليد يكون عنصراً ضروريّاً في دعم نموّ الطّفل في سنواته الأولى، لكن يجب العمل على التّخلّي عنه لاحقاً؛ حيث أنه مرحلة أولى نحو الاستقلاليّة.
هل نساعد الطفل على متابعة تقليد الكبار أم ننهيه عن ذلك؟
الأمر يتوقّف على طبيعة السّلوك وعمر الطّفل؛ فمع الطّفل الصّغير من نافلة القول، العمل على تعزيز السّلوك المقلّد الطيّب، وحمل الطّفل على الكفّ عن السّلوك المقلّد الخبيث؛ لكون الخطر هنا يكمن في أنّ التّقليد يمكن أن يكون غير واعٍ، ومن ثمّ قد يستمرّ التّقليد بدون مساعدة وتعزيز حتّى بسلوكيّات لا يقصد الوالدان نقلها للطفل، لكن مع التقدّم نحو سنوات الطّفولة المتأخّرة من المهمّ تنمية استقلاليّة الطّفل، ليكون له كيانه الخاصّ وعلى نحو تدريجيّ بالطّبع. وهنا أستذكر قولاً ساخراً لنيتشه حول أهمّية الاستقلاليّة في التّربية، إذ يقول: «يصنع الآباء والأمهات أبناءهم اعتباطيّاً على شاكلتهم، ويسمّون هذا العمل تربية».
في أيّ مرحلة عمريّة يبدأ التّقليد؟
تبدأ الملاحظة منذ الولادة، ويبدأ التّقليد منذ الطّفولة المبكرة، وعلى نحو تدريجيّ معتمداً على ما لاحظه، فبعمر 8 أشهر، يبدأ الطّفل بتقليد الحركات البسيطة كتعابير الوجه، ومع بلوغ عمر 18 شهراً، يشرع الطّفل بتقليد الحركات الأكثر تركيباً، والتي كان قد لاحظها سابقاً، كاستخدام المطرقة اللعبة كما يفعل والده، ومع بلوغه 36 شهراً (3 سنوات)، يغدو بمقدور الطّفل تقليد سلوكيات على درجة كبيرة من التّركيب، كأن يعيد مع نفسه إجراءات احتفال حضره مع والديه منذ فترة.
كلمة أخيرة: إلى الأهل
الطّفل الصّغير في اعتماده الطّبيعيّ على التّقليد، لا يملك محاكمة السّلوك إن كان جيّداً أم سيّئاً، بل يقلّد والديه في معظم الأمور، من هنا كان يجب على الوالدين الانتباه إلى أفعالهما وأقوالهما أمام الطّفل، خاصّة أن الأخير يلاحظ بيئته منذ ولادته لذا فسلوك الوالدين الجيّد أمام طفلهما هو أهمّ شيء يمكنهما القيام به لتنشئته على السّلوكيّات الجيّدة. ومن المهمّ هنا الإشارة إلى أنّ الطّفل الصّغير يكون بمرحلة حسّيّة بعيدة عن التجريد، أي أنّه يلاحظ ويتّبع الفعل قبل أن يفهم ويتّبع القول، لذا من غير المجدي محاولة ردعه عن سلوك خاطئ بالكلمات فقط، بعد أن مارسنا ذلك السّلوك أمامه غير مرّة، فإذا أردت أن تعلّمه النّظافة، مثلاً، لتكن نظيفاً أمامه، ولتقوم بالسّلوكيّات اللازمة أمامه يوميّاً.      
 

الفئة: