دبـــور الضــــمير .. إضــــــاءة على روايــــــة ( الذبـــاب الأزرق)

العدد: 
9169
التاريخ: 
الخميس, 9 آب, 2018
الكاتب: 
نعمان إبراهيم حميشة

 للأدب دوره في تكريس المفاهيم النبيلة والدلالة على مكامن العطب الإنساني في المجتمع ، ورواية (الذباب الأزرق) للأديب ناصر هلال، التي تحكي عن تجاور المنطق واللامنطق والتناقضات، وكيف يصل الفقير دائماً إلى طريق  مسدود، وهي ليست بياناً سياسياً أو إيديولوجياً أو تحقيقاً جنائياً ، بل هي  نسخة طبق الأصل عن الحياة  بعجرها وبجرها، بعسلها وحنظلها، بنورها وتنورها .
 المكان  جزء من كيان الإنسان ووجوده، والمجتمعات الشرقية قائمة على التناقضات وقابلة لاحتضان المتناقضات من القرية والسواقي والمغاور إلى المدينة والبحر والحارات والملاهي وروادها من الذباب الأزرق البشري الذين يجدون في تلك الأماكن ملاذاً دافئاً للحصول  على ما يزيدهم انحرافاً وفساداً ،  يدقون الكؤوس المترعة بالسوائل الذهبية والأرجوانية والثلجية المرنقة بالخطيئة والفجور على الطاولة، ويطرقونها ببعض حتى يسمع صوت اصطدامها ثم يعبّون بلا حساب حتى يزغرد الخمر في معداتهم وترتفع النشوة في مقاييس العروق ،لكن في النهاية لا بد أن ينكشف الوضع كما تنكشف مؤخرة القرد .
 لو شبع الأغنياء ما افتقر الفقراء، الفقير  تباغته المصائب من حيث يدري ولا يدري، شخوص (الذباب الأزرق) ذوات جريحة وأرواح مشروخة تنتمي إلى عالم الحلم والذاكرة  والحب المذبوح على مقصلة العوز والحرمان، رواية تعرض عالمين ينوسان بين الفقر المدقع والثراء الفاحش وسهرات ألف ليلة وليلة ، والغانيات التّيّاهات كالطواويس  بالتلميحات الضمنية والانتقادات الصريحة ، وعرض حياة بعض النسوة لفضح زيف المجتمع وهشاشة وانحراف رموزه ، بلغة صافية التصوير محكمة التعبير على شكل حوار متعدد ليروي حكاية مجتمع بعفنه وفحولته، ويبرع الكاتب في وصف الذباب الأزرق (الجقر): (لقد فكرت بالنوم فعلاً، إلا أن عيون الذباب بتلامعها الفوسفوري الواخز مثل أقطاب المغناطيس تبحر نظراتي نحوها ، وتسحب النوم من أجفاني ) ص 128.
 محمود الخدوج يطرق باب الأربعين عاماً ومازال غرّاً يتهجى ألف باء المدينة وخمورها وبدورها وعطورها، ومغانيها وغوانيها، وأغنيائها وأغنياتها، يسير بقافلة عمره المليئة بالأحزان، يمشي الحيط الحيط  ويطلب السترة، وهيهات أن يخلد إلى نوم  لا يخلو من شيء ينغّصه، فبعد مرور سبعة عشر عاماً على خروجه من قريته مهزوماً مدحوراً بالضربة القاضية التي سددها له سلوم المرعي بالزواج من محبوبته (مريم) يحس أن العين أصابته وأن اللعنة حلّت عليه، وعند احتلال الذباب الأزرق لغرفته الوضيعة المتواضعة لم يغمض له  جفن حتى الصباح ويقفز من فراشه كالملسوع، وأيقن أن اللعبة انتهت وأطبق عليه الفخ وصارت حياته كالراقص على  رؤوس الأفاعي ، وسيحاكم ويعاقب على جريمة لم يرتكبها ، وصار الخوف من لباسه التهمة، يتحول إلى نار تقض مضجعه وتحرق جوفه وتمرغه بالهمّ والغمّ ، يهرش رأسه ويبلع ريقه ويضرب أخماساً في أسداس ،كأن في داخله شيئاً حاداً يمزقه، ويقرصه كالبقّ ، فيحكّ للانهاية ، وينتصب واقفاً أمام المحقق الذي سيرفعه ويحطه ليذيقه الموت بالتقسيط على ساقين ترتجفان ،كمن يتحشرج في طلوع روحه ،مثل طريد في كهف لا تحمي بابه  صخرة كبيرة ، وأدرك أنه خرج من الموسم بأكياس الزؤان المرّ ، يدحرج أشلاء أحلامه خلفه وما عليه إلا أن يلقي حبل الأيام على غاربه وتركها تسير كما تشتهي : منذ سبعة عشر عاماً كان بيتنا في  القرية  مثل فم ( وهيبة العبد ) خالياً من كل شيء ص 21 .
 الرواية تعالج تحولات المجتمع بين الانغلاق، والانفتاح الذي وفره التعليم، والقيم الأثيرة والظلال الكثيفة للتقاليد الثاوية في الأعماق، بين زعامة الشيخ بقوة الشريعة والذي ينقلب من وسيط خير إلى سوط مسلط على الرقاب ،ونجله اللذين يجمعان السطوة والسلطة والجاه والمال ، فأهل القرية لم يتخلصوا من نفوذ (الشيخ إبراهيم) ديكاً على المنطقة، حتى جاء ابنه (مهران) ديكاً على المحافظة بأسرها ، ابن الشيخ الوقور بطربوشه ولفّته المطرزة يطقطق بمسبحته الطويلة كالأفعى الملتوية بين أصابعه ويحرك شفتيه متمتماً بالشفاعة والذكر، أم بالشتيمة والذم وليس أسهل عليه من لحس الوعد الذي يقطعه، لكن محمود الخدوج يمقت (بديعة) ابنة الشيخ كما يمقت أنفاس الكلاب النابحة التي تشبه ضباب المستنقعات النتنة، ولو تزوجها لقبر الفقر والتعتير إلى الأبد:(وعندما شرحت له وضع الآنسة بديعة وعدم صلاحيتها للزواج لا شرعاً ولا جسداً قال لي: ولك يا عمّو تزوجها الآن وبعد كم سنة تزوج غيرها، الشرع يحلل لك الزواج من أربع نساء) ص 20 .
 الويل للبيت الذي تصيح الدجاجة فيه ويصمت الديك ، المدام كاترين توزع عاملاتها ووصيفاتها على عشاقها كما توزع عطرها الليلي على ضيوفها في سهراتها الدافئة ينتقلن من يد إلى يد، ومن أريكة إلى أريكة، ويستسلمن كدجاجات يفرد ديوكهن أجنحتهم ويكنسون بها الأرض في علاقات شائنة مفضوحة في أفعال حب لا حب فيها .
 للوهلة الأولى يظن القارىء أن الرواية تتحدث عن بيئة محددة، وما إن يتوغل في تلافيفها حتى يكتشف أن مسرح أحداثها وبطلها هو الفقير العربي في الوطن كله من المحيط إلى الخليج ببيئاته وعاداته وتقاليده ، ونقد جذري لبنيته العامة مطالباً بإعادة تعيير الناموس  الأخلاقي الذي يحكمه والذي يليق به الرثاء لا الوراثة، وأن الذباب الأزرق الذي تسلل الى غرفته كما تتسلل الدودة إلى التفاحة وتجمع على جيفة الجرذ المقتول في غرفته دليل على الأفعال الشنيعة التي ترتكب على الأرض العربية كل يوم، وأدرك متأخراً أن آماله بالإصلاح والتقدم كمن يحارب طواحين الهواء .
 

الفئة: