وقـــال البحـــــر...آنَ الكرمُ يـُعتصرُ

العدد: 
9168
التاريخ: 
الأربعاء, 8 آب, 2018
الكاتب: 
غانــــــم محمــــــد

كعناقيد تدلّت لتسكبَ في خوابي الفرح (سورةً) من الذكريات الجميلة، هبّت رياحها ناعمةً منعشةً في فضاء الروح . .
قالت: أتذكرُ صوتي؟ أم أنّ الأيام باعدت بين القطار وسكّته؟ لا تقلْ إنّ مشاغلكَ كثيرة، فقد كنتَ تقول لي: محالٌ أن يأخذني منكِ أي شيء . .
من هذه التي تعبثُ بجزئياتي، وتفرض رخامة صوتها على مجاري سمعي، ولا تعطيني أي فسحة للسؤال؟
اعتصرتُ ما تبقّى من ذاكرتي، قلّبتُ خمسين عاماً في لحظة تنتظرني فيها على الطرف الآخر من (سمّاعة الهاتف) إنسانة يبدو أنّها عزيزة جداً، لكنّ الذاكرة هرمت، والتذكّر القسريّ صعبٌ للغاية . .
بدأتُ ادعاء معرفتي بها كسباً للوقت، ورحتُ أسألها عن أسرتها وأولادها، فاكتشفتْ أنّي أراوغ، واعتذرت منّي وأغلقتِ الهاتفَ قبل أن أعرفها . .
شغلتني القصّة، وكلما حاولت أن أتذكّر أنسى أكثر، وذات يوم، وأنا أنتظر دوري لقبض راتبي في المصرف العقاري بطرطوس، شعرت بمطرٍ يهطلُ على كتفي، التفتُّ كالخارج من حلمٍ أو من كابوس، فعرفتُ أنّها هي التي شغلني تذكّرها كلّ تلك المدة الطويلة . .
هي معلمتي، الآنسة (سهيلة) والتي طالما مشّطت لي أحلامي بـ (الطبشور) حيناً، وبالابتسامة معظم الأحيان . .
في تلك الأيام الجميلة (كاد المعلم أن يكون رسولاً)، كانت تعرف من حركة (بوبو العين) من يحفظ الدرس ومن لا يحفظه، كانت وهي مشغولة على السبّورة تنبّه بالاسم من يشرد . .
كان الزمان جميلاً، أفلا تستحقّ استعادته بعض الجهد والكثير من الضمير والوجدان؟
للأسف، فإن معظم وقتنا نغرقه بالحنين لأيام مضت، وبالخوف من أخرى آتية، أما الحاضر الذي يجب أن نزرعه عملاً وإنتاجاً، فنستهلكه بـ (الثرثرة) وتصفّح (الفيس بوك)، والبكاء من وجعٍ نحن صانعوه!
لا عيبَ في تذكّر ما هو جميل لنبني عليه، ولا عيب في الخوف مما هو آتٍ لنحذره، لكن لا يجوز أن ننسى اللحظة التي نعيشها ونسأل أنفسنا: ماذا ننتج الآن وما قيمة ما ننتجه؟
في صيفنا الحار جداً وحيث الكرمُ يُعتصرُ، لنكنْ داليةً لا تشكو وعورة مكان، ولا يمنعها شوك صبّارة تعايشت معها من الإثمار بأطيب المذاق ِ. .
واقعنا المعيشي صعبٌ، لكننا متمسكون بالحياة، قد تقصّر البلدية بترحيل القمامة لكن ألا يمكننا تخفيف ما نخنق به مداخل بيوتنا منها؟
مستوى التعليم تراجع، ودور المدرسة لم يعد كما كان، فهل نلقي بأولادنا إلى (التهلكة)؟
شكراً (آنسة سهيلة)، فكما بذرتِ فيّ ما أنعمُ به الآن، فقد ذكرّتِني بأهمية أن نتمسّك بما هو جميل . .