عين على الاقتصاد...تنمية الريف أكثر من شعار

العدد: 
9168
التاريخ: 
الأربعاء, 8 آب, 2018
الكاتب: 
نعمان أصلان

 شكلت تنمية الريف وإزالة الفوارق القائمة ما بينه وبين المدينة إحدى مرتكزات السياسة الحكومية على مدى عقود مضت، وقد حققت الخطط والبرامج الحكومية التي نفذت لتحقيق تلك السياسة قفزات مهمة قبل الحرب الكونية التي تشن على وطننا الغالي، حيث شهد ريفنا ومن ضمنه ريف ساحلنا العديد من المشاريع الخدمية والتنموية والاقتصادية التي ارست القواعد الأساسية التي حولت ريفنا إلى مركز جذب للسكان وذلك بعد أن اقتربت ظروف المعيشة فيه من تلك الموجودة في المدن إن كان من النواحي الصحية أو التعليمية أو الخدمية وحتى الإنتاجية، إذا ما تحدثنا عن الإنتاج الزراعي الذي شهد شقيه الحيواني والنباتي تطوراً كبيراً جعله قادراً على تلبية احتياجات سكان الريف والمدينة على السواء من مختلف المنتجات الزراعية ناهيك عن مساهمته في توفير فرص عمل ومجال عيش كريم للريفيين وما لذلك من أهمية اقتصادية وحتى اجتماعية إذا ما أخذنا بالاعتبار انعكاس الوضع الاقتصادي الجيد للفلاحين على صعيد تثبيتهم بأرضهم وعدم هجرها.
 إلّا أنّ تلك الإنجازات قد تعرضت لشيء من الاختلال خلال ظروف الأزمة الراهنة التي تركت منعكسات سلبية على صعيد ما تحقق في هذا الجانب، ولعل المتابع للأمر يجد أسباباً كثيرة لهذا الاختلال لاتقف حدودها عند ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي وأزماته التسويقية التي ألحقت بالفلاحين خسائر كبيرة، وهم الشريحة التي يعتبر العمل الزراعي المصدر الأساسي لعيشها، تلك الخسائر التي دفع تكرارها الفلاحون للبحث عن مصدر آخر للرزق لم يجدوه إلا في هجرة الأرض واللجوء إلى المدينة طلباً لمورد العيش وتمتد هذه الأسباب إلى عوامل كثيرة أخرى منها على سبيل الذكر لا الحصر الترهل في العملية التعليمية في مدارس الريف وتراجع مستوى الخدمات الصحية التي كانت تقدم من خلال المنشآت الصحية وارتفاع تكاليف النقل ما بين الريف والمدينة وقلة المشاريع الخدمية والتنموية القادرة على امتصاص البطالة التي تكونت على مدى السنوات الماضية من عمر الأزمة ناهيك عن ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل عام و الناجم عن الوضع الاقتصادي العام وقلة مصادر الدخل من الريف، الذي يعتمد سكانه على الزراعة بشكل أساسي وغير ذلك من الأسباب التي أخلت في توازن المعادلة ودفعت السكان لترك الريف والاتجاه إلى المدينة من جديد.
  ذلك الاختلال في التوازن الذي لم تقتصر آثاره على الريف بل امتدت إلى المدن أيضاً متمثلة في زيادة كبيرة في السكان وتنامٍ في أحزمة المخالفات السكنية حول المدن لاستيعاب تلك الزيادة وحاجات متزايدة للخدمات  والبنى التخصصية / مدارس- مياه شرب- صرف صحي- كهرباء . ./ لتلبية احتياجات الوضع الجديد الذي دفعت الأحزمة الخضراء التي كانت موجودة حول المدن أثمانه بما لذلك من خسائر اقتصادية وبيئية كبيرة والتي تضاف جميعها إلى الخسارة الناجمة عن تراجع دور الريف كمصدر إنتاجي هام وتحول سكانه من منتجين إلى مستهلكين، ولاسيما في جانب الإنتاج الزراعي الذي نشهد ارتفاع أسعار منتجاته وذلك نتيجة لزيادة الطلب عليه مقارنة بالعرض الذي قل بسبب تحول الفلاح عن الزراعة واتجاهه إلى مصادر أخرى.
 وأمام هذه الوضع وصعوبة حصر أسبابه ونتائجه يبرز السؤال الأهم وهو ما الحل  . .!هل تكفي الندوات والمحاضرات والقرارات التي لاتزال بانتظار التنفيذ للوصول إلى حل هذه المشكلة التي تتفاقم يوماً بعد يوم تاركة عقابيل اقتصادية واجتماعية تتدحرج وتكبر ككرة الثلج يوماً بعد يوم أمام متخذي القرار الذين يبرعون في اختلاق الأعذار للوضع الذي وصلنا إليه والتي تتراوح ما بين ظروف الأزمة الراهنة والحاجة للموارد وانتظار استكمال الدراسات وأعمال اللجان وغير ذلك من التبريرات غير المقنعة التي لا تشكل سوى شماعة يلقون عليها أسباب فشلهم في علاج المشكلة، هذا العلاج الذي اقتصر وحتى الآن على بعض الحلول الإسعافية التي اعتمدت على مبدأ إطفاء الحرائق دون البحث في جوهر المشكلة من أجل استنباط الحلول العملية لها، تلك الحلول التي بتنا في أشد الحاجة إليها لكون أي تأخير في إيجادها يعني زيادة في حجم الخسائر التي تتكبدها يوماً بعد يوم، والتي يجب أن تعتمد على الأفعال أكثر من الأقوال والتوجه لحل المشكلة ميدانياً وليس من وراء المكاتب وذلك من خلال مشاريع وخطط تعيد الروح لريفنا وتزيد من ارتباط سكانه به وهي مشاريع  يجب ألا تقتصر على  بعض المنح التي تعطى هنا أو هناك أو بعض المنشآت التي تحدث في هذه القرية أو تلك، بل يجب أن تمتد إلى تحسين ظروف  الإنتاج الزراعي وتخفيف تكاليفه وتحسين مختلف الخدمات الموجودة في الريف والاستغلال الأفضل للقيم المضافة الموجودة في المنتجات الريفية وغير ذلك من المشاريع الأخرى التي لمسنا تباشيرها من خلال إحداث مناطق حرفية وتنموية وتنفيذ مشاريع خدمية في العديد من مناطق ريفنا، وهي التباشير التي نأمل الإسراع في تحويلها إلى وقائع تسهم في علاج أسباب المشكلة التي نأمل بأن لا يطول انتظار حلها أكثر وذلك لكي لا تكون خسائرنا أكبر وهي المهمة التي يحتاج تنفيذها لجهود الجميع مسؤولين وموظفين ومواطنين من الريف كما المدينة.
 

الفئة: