الكراجــــات .. تتبرج بالمتســــــولين

العدد: 
9168
التاريخ: 
الأربعاء, 8 آب, 2018
الكاتب: 
رنا ياسين غانم

كون التسول الظاهرة التي نعالجها ليست جديدة، وجذورها ممتدة في ثقافة المجتمع وفي السياسات الاقتصادية، ومازال الإغفال المتكرر من قبل المؤسسات الاجتماعية، تلك اليد الممدودة إن كانت بصدق الحاجة أو بادعائها لا تسلب مال العابرين ووقتهم وحسب بل تسرق ضحكاتهم وإحساسهم بالأمل لتترك لهم سواء أجابوها أو منعوها غصة من شريك في الإنسانية صار قهراً ذو يدٍ سفلى في المجتمع .
المشكلة أكبر من أن تعالج على مستوى الأماكن العامة والشوارع ولكن نخصّ هنا كراجات الانطلاق، والتي تعدّ همزة الوصل بين الريف والمدينة كما بين المدن، ومعظم من يرتادها هم من الطبقة الوسطى و الفقيرة .

بعد جولة قمنا بها على كراج جبلة - اللاذقية وجدنا بعض الأطفال الذين يحاولون بيع (العلكة) وذلك بالتوسل ووضعها بيد ركاب باصات النقل الداخلي علّه يشعر بالخجل ويأخذها منه، والجدير بالذكر أن هؤلاء الأطفال لا يتجاوز كل منهم العشرة أعوام، وهم مشغلون من قبل بالغين يستغلونهم ويسرقون طفولتهم ويعاملونهم بقسوة، في حال عدم تحقيق أرباح ترضي جشعهم وهذا ما يشاهد في مساءات الكراجات عندما تأتي سيارات (سوزوكي) تقوم بجمع هؤلاء الأطفال وأخذهم إلى أماكن مجهولة، أما إذا ما انتقلنا إلى كراج البولمان في اللاذقية نجد مسنّة تقف على أبواب السرافيس، وتحاول استعطاف الركاب كونها امرأة كبيرة في العمر ليتبعها بعد قليل طفل  يدّعي الجوع ويريد ثمن (سندويشة) وعندما قلت له: هل تذهب معي لأشتري لك سندويش؟ قال: لا. . أعطني ثمنها .
نتابع جولتنا لنذهب إلى كراج جبلة، وهناك تتواجد امرأة تتجول، وتطلب ثمن ربطة خبز فإن لم تجد مجيب تقول: إن كان لديكم ثياباً أو أحذية أحضروها لي، وضعوها هنا مشيرة إلى أحد المحال.
إنها حالات لمسناها خلال جولة قصيرة وما خفي ربما أعظم، فإن كان من الصعب معالجة هذه الظاهرة على المستوى العام فلابدّ وبحد أدنى حفظ هذه المناطق من هذه الظاهرة كون الكراجات مسوّرة، و لايمكن الدخول إلا من أبواب محددة، فهل يحق للمتسولين الدخول إلى الكراجات؟ بل هل يسمح لهم على الرغم من أنها من المناطق التي يسهل حمايتها من المتسولين؟ أمّا عن آراء بعض المواطنين الذين يعانون من هذه الظاهرة تقول السيدة وفاء: منذ فترة قصيرة شعرت بالحزن تجاه أحد السائلين وهو يقف أمام باب السرفيس، ويسأل العون وعندما أعطيته وذهب قام أحد الركاب بتوبيخي وقال لي: لا يجوز أن تعطيه حتى لا تشجعيه على الاستمرار بهذا العمل.
بينما يقول السيد مازن، وذلك بعد أن مرت أحد المتسولات مطالبة ركاب السرفيس بثمن خبز: أنا لا أفهم كيف يمكنها أن تطلب منّا نحن من يعمل كل النهار لنؤمن ثمن لقمة عيشنا، و أنا أثق بأنها تملك ضعف ما نملك، و أضاف إنها ظاهرة مخجلة ومعيبة حقاً ونتمنى وضع حد لها.
أيضاً تقول الآنسة ريتا (طالبة جامعة)، وقد وجهنا لها السؤال بعد قيام أحد الأطفال بوضع (العلكة) في يدها دون أن يكترث لرأيها: أحياناً نشعر بالخجل ونضطر لشراء ما يضعه أولاً لأنه طفل، وثانياً أضع احتمال ولو كان صغيراً أنه بحاجة إلى المال مع أنها حركة مزعجة، وفي بعض الأحيان تجعلني أصاب بالتوتر، وهنا قاطعها العم أبو محمد قائلاً: إنهم لا يأخذون هذا المال لهم بل هم يعملون لحساب شخص ما، لقد سمعتهم في إحدى المرات يتهامسون ويسألون بعضهم، كم جمعت اليوم؟ ليتابع قوله: أتوقع أننا سنحاسب وهذا أكبر دليل على أنهم مجرد وسيلة لجمع المال.
وخلال جولتنا حاولت التحدث إلى إحدى المتسولات، وهي امرأة في العقد الرابع من العمر، فقالت لي: أن لديها ثلاثة أطفال الأول في الصف الحادي عشر و الثاني في الصف التاسع و الفتاة في الصف السادس، و لم أستطع تأمين عمل يطعمهم ويطعمني فلجأت لما أقوم به اليوم وعند سؤالي أين زوجك؟ طأطأت رأسها وذهبت.
هناك سؤال يفرض علينا التفكير ملياً للإجابة عليه، ما هو مستقبل ذاك الطفل الذي يمارس التسول منذ نعومة أظفاره؟ كيف ستتكون شخصيته وهو يتعرض للإهانة من قبل من يتسول منهم أو الضرب والتعنيف من قبل مشغليه؟
نحن هنا وفي هذه النظرة السريعة نطالب منظمات المجتمع المدني القيام بدورها وتأمين حاجات من يستحقها بصدق، وكفّ يد من يشغل هؤلاء الأطفال أو العجزة مستغلاً أوقات التجمع وأماكنها، كما نطالب وزارة التربية التشدد بموضوع التسرب من المدارس بفترة التعليم الإلزامي، وفي النهاية نحن شركاء في وطن يتعافى من أزمته ولابد من الإشارة إلى مواضع الخلل حتى يصح العلاج.
 

 

الفئة: