رغيف خـــبز عــجن بمــاء الحياة

العدد: 
9168
التاريخ: 
الأربعاء, 8 آب, 2018
الكاتب: 
هدى سلوم

ما بين رغيف عيشنا وخبز يومنا وتنهدات الصباح أبجدية خلق ووجود، تكون منها حكاياتنا وسيرنا وصور أشكالنا وهيئاتنا، بل تشكيل ملامحنا وتفاصيل زينا.
طوابير من نساء وأولاد ورجال  في نسق واتساق على الأفران رغم توفّر الخبز اليومي الذي لم ينقطع أو ينقص يوماً ونحن نعيش ويلات الحرب والعقوبات الاقتصادية ظنّاً منهم أن نعاني الجوع والقلة، لكن ذلك كان عليهم محال، فنحن خير شعب يأكل ممّا يزرع، وقد أثمر صبراً وقمحاً لسنوات عجاف، فما بال الناس يتجمهرون و على أبواب الأفران يتدافعون ؟


العديد منهم ما إن يتناولوا أرغفتهم من الفرّان حتى يسارعوا إلى أقرب  مكان يمكنهم نشرها عليه دون ملاقط غسيل مثل  واجهات السيارات وأكوابها وحتى الجدران والبسطات، فسألت رجلاً بينهم أن أصوره فرفض رفضاً قاطعاً بلا حراك أو جدال، فدنوت من امرأة خمسينية لكنها وضعت يداً على وجهها والأخرى على كاميرا الموبايل، فما كان مني إلا أن اقتربت من صبي لا يتجاوز العشرة أعوام، فقال: لا تصوريني أرجوك، فقد يرى صورتي والداي، عندها سألته: وماذا في ذلك؟ فرد قائلاً: لا يعلمان بأني أبيع الخبز ، فأنا آتي بحجّة إحضار الخبز لأخوتي، وأحضر المزيد لأجني بعض المصروف، فرفاقي جميعهم لديهم المال الذي يشترون به كل ما يشتهون، بينما أنا في كثير من الأحيان لا يستطيع أبي أن يعطيني إلا بعض الفراطة التي لا يمكن أن تتجاوز الخمسون ليرة ولا تشتري شيئاً يشبه ما يشتريه الرفاق.
تركته وعدت أدراجي إلى بوابة الفرن، وسألت بعض النساء الواقفات بالدور، لما لا يأتي الأولاد؟ فترد إحداهن : ماذا تقولين ؟ الأولاد . وأطلقت زفيراً زاد في حجم زفير شمس ذاك اليوم الصيفي ويضاف له زفير نار الفرن لتتجمع في سقر هذه الحياة، وتقول: الأولاد نائمون ولا يرضون الوقوف على الفرن، فترد عليها إحداهن: حرام هم صغار، كيف لنا أن ندفعهم إلى مغبة هذا العمل ووطأة الوقوف لساعات، وهم في عطلتهم الصيفية ينشدون الراحة والاسترخاء والاستجمام، ولم يبق غير شهر وتفتح المدارس أبوابها وأتعابها تلاحقهم كل يوم، فيضحكن وبعضهن يرميها بالقول: ( آه والله حرام، خلوهم نايمين أريح إلهم وإلنا)
أمّا أبو سامر السبعيني أشار إلى أنه يأتي إلى الفرن كلّ يوم، ويعده مشواره الصباحي له نكهته كما قهوة الصباح، لا يكلّ ولا يملّ من الوقوف أمام واجهة الفرن، فلديه في البيت ثلاثة شباب مع زوجاتهم وتسعة من الأحفاد، بعد أن تهجر من بلدته القريبة من إدلب ورافقته عائلات أولاده الذين هم في الجبهات مع رجال جيشنا الجبار، ويرى أنه من الواجب عليه أن يؤمن لهم خبز يومهم ولا يرضى أن تأتي إحدى نساء عائلته إلى الفرن فهو صنعة للرجال، كما أن الأولاد أغلبهم يعملون في مهن وبيوت منذ الصباح ولا وقت للتسلية والتسكع مع الرفاق، ويفضل أبو سامر شراء الخبز من الفرن لتوفير بعض المال فبدل أن يأخذ الربطة من السوبر ماركات بمئة ليرة هو يأخذها من الفرن بخمسين ليرة فقط، وتكون ساخنة وبأفضل حال، وهنا يشكر الله ويحمده على هذه النعمة، ويشكر الدولة التي توفر للمواطن كل احتياجاته على الرغم من ظروف الحرب القاهرة، ويقول : لو كانت هذه الحرب على أعظم دولة في العالم لرأينا ناسها جياعاً وأمواتاً.

 

الفئة: