حوار الوحدة... الدكتورة غيثاء علي قادرة: أهمية النقد الأدبي هي الدافع الرئيسي للارتقاء بلغة الكتابة

العدد: 
9167
التاريخ: 
الثلاثاء, 7 آب, 2018
الكاتب: 
بسّام نوفل هيفا

 تمتاز كتاباتها بطابع فكري أدبي، تتأنّى فيها، عاطفتها رقيقة، واندفاعها صادق، تتخير من الألفاظ ما يعبّر تمام التعبير عن إيحاءات مخيلتها واختلاج عاطفتها..
 عضو هيئة تدريسية في قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة تشرين، أستاذ مساعد- دكتوراه في الدراسات الأدبية، الاختصاص: أدب قديم- مشرفة على رسائل ماجستير ودكتوراه، كتبها المطبوعة :لغة الجسد في أشعار الصعاليك، تجليات النفس وأثرها في صورة الجسد، منشورات اتحاد الكتّاب العرب بدمشق 2013، جدلية الوجود والعدم، قراءة في مضمرات الخطاب الشعري الجاهلي.
 لها مشاركات في عديد من الندوات والمؤتمرات العلمية والأدبية، تكتب الشعر بمختلف أشكاله وأغراضه، ولها عديد المقالات المنشورة، إنها الدكتورة غيثاء علي قادرة، الوحدة التقتها، وكان معها الحوار الآتي:
 * ما الذي أردت أن تقوليه باختصار من خلال كتابك (الوجود والعدم)؟
** أردت أن أقول: إن الإنسان يعيش الوجود والعدم في آن معاً، يعيش تداخلهما تارة، وانفصالهما وتضاربهما تارة أخرى. فهو لا يعدم حضور العدم وإضماره في ثنايا الوجود وإضمار الوجود في غياهب العدم، الأمر الذي يدل على أن الحياة في نظره- في كل زمان ومكان- تستمد أهميتها من عالم الموت، ويصدر الإحساس بالموت من عالم الحياة، فالوجود والعدم طرفان متباعدان لا يلتقيان إلا ليتصارعا حول أحقية وجود الأول في نفي الثاني.
 لقد سعى الإنسان- طويلاً- وفي ظل سيطرة العدم بملء إرادته إلى التخطي، وتجاوز بؤر الفناء، فالمرء- عموماً- لا يستسلم بسهولة، لأيّ واقعة سلبية تؤثر في وجوده، فهو يستحضر الإرادة في محاولة إثبات الوجود، ويُعمِل الفعل سعياً إلى التخطي والتجاوز رداً على مظاهر العدم، وإيقاد النور هرباً من الظلام، لقد سعى الإنسان على مر التاريخ إلى امتلاك الحرية، لأنَّه رأى فيها عين الوجود، فيها يكمن الانتقال من الممكن إلى الواقع، ومن الشعور بالعزلة إلى الشعور بالذات وسط مجموع، لأنّ غاية الموجود أن يجد ذاته وسط الوجود، وأن يتغلب على مشاعر الاستلاب التي تهدده بالعدم. ومن هنا، فإنَّ بين نسقي الوجود والعدم تلاحماً وتلازماً كبيرين، فالإحساس بالوجود يتكون عبر الخوف من العدم، والإحساس بالعدم يأتي من الخوف على جمال الوجود من أن يذوي، فتقلّ فرص تحقيق الإمكانات، ومن هنا كان فرض الواقع على الإنسان أن يتألم، لأن يشعر بوجوده الناقص، وليس بعدم وجوده. لقد تكون الشعور بالوجود- عند الإنسان- بفعل الخوف من العدم، كما تكوَّن الشعور بالعدم من الإحساس بوجود الذات، والحرص على هذا الوجود من الغياب.
 * تكتبين النثر بوصفه نوعاً من أنواع الشعر، بِمَ تعرّفين قصيدة النثر؟ وإذا ما سألنا عن منابعه الحقيقية، بمن تأثرت، ماذا تقولين؟
 ** في الحقيقة إنَّ الشعر المنثور هو آخر ما توصل إليه الارتقاء الشعري، وينطوي هذا التعريف على حقائق تضيء جوانب عديدة، فالشعر المنثور تسرَّب إلى ميادين الشعر من نوافذ غربية مع مي زيادة وجبران خليل جبران، والريحاني وغيرهم.
 إنَّ قصيدة النثر تمثل بحد ذاتها تحولاً من تحولات الوعي الفني، فعلى الرغم من المحاولات الكثيرة لتقديم مفهوم الشعر خارج الأطر الوزنية إلاّ أنَّ اللحظة الجوهرية بدأت مع تحرر القصيدة العربية من قيودها الكلاسيكية، حيث بدأ الشاعر كما الناقد العربي يدرك أنَّ الوزن ليس هو الحد الفاصل بين الشعر واللاشعر.
 الشعر المنثور خلق فني جديد، متحرر من الوزن والقافية، تتضح الصورة الشعرية فيه بحمولات تعبيرية متعددة ودلالات متنوّعة، تستثير انفعال القارئ المتذوق فنية الصورة، بوصفه متلقياً إنسانياً وإيديولوجياً، والنص الشعري المنثور حمولات تقوم على تشبيكات من المضامين التي تعتمد التأويل (تأويل الرموز)، وفق قارئيها.
 قصيدة النثر: هي نصٌّ ينفتح على الشعر والسرد والنثر الفني، له إيقاع داخلي منفرد بعدم انتظامه، وأنا لا أقرأ لشاعر محدد، أقرأ ما يأسرني من لغة وصورة ورمز، أقرأ لشعراء كثر كمحمد الماغوط، وأنسي الحاج، وأدونيس وغيرهم، وأقرأ الشعر القديم كثيراً، ولا سيما الجاهلي أيضاً، بوصفه تخصصي.
 لا أتفرد بكتابة قصيدة النثر فحسب، أكتب وفق الدفقة الشعورية التي تجتاحني أحياناً.
 فاللاشعور أحياناً يسير خاطاً على الورق رؤى وأحلاماً، صوراً ورموزاً تأتي على هيئة نص مقفّى موزون أو على هيئة نثر، أو شعر تفعيلة، فالأمر مرهون بالحالة النفسية ربما.
 * هل تعيدين ما تكتبين؟ ما فائدة ذلك في متابعة الكتابة؟
** طبعاً أعيد، وكثيراً ما أغيّر فيما أكتب، سواء أكان بحثاً أكاديمياً، أم نصّاً شعرياً، أم مقالة ما، فأنا أعيد الصياغة من جديد أحياناً، وأعيد رسم الصورة من غير تحريرها من تلقائيتها، وعفويتها، وتركها تعطي المدلول المراد، كثيراً ما أعيد صياغة المكتوب، إبرازاً للمعنى، والدلالة والبعد الجمالي.
 في الأدب لا شيء ثابت، لأنّ الخيال يعمل، والذائقة الأدبية تتطور، والقراءات تأخذ أبعادها، والمعجم اللغوي لدى الكاتب أو الشاعر أو الناقد ينبغي أن يكون في تطور مستمر مطّرد، وهذا لا شك لمصلحة الباحث وبحثه.
 * هذا الكم الذي نشهده اليوم من الشعراء ما الذي أضاف إلى بيدر الثقافة برأيك؟
** الشعر شعور وأحاسيس تخرج على هيئة صورة فنية، تعبّر عن مآزق يمر بها الفرد والمجتمع، تعبر عن مشاعره، عن همومه، مهمة الشعر مواكبة الذات الإنسانية، في مختلف حالاتها، وقضايا المجتمع بحرارة فنية وبصور شعرية زاخرة بالإبداع.
الشعر تغريد بنبرات خافتة تارة، وعالية تارة أخرى، وحادة تبعاً للحالة النفسية والمجتمعية التي يمر بها الشاعر غالباً، الشعر واحد من عناصر تعريف الإنسان بغض النظر عن عرقه أو لغته أو دينه، لقد وضع العرب الثقافة الشعرية والشعر فوق كثير من تجليات المعرفة الأخرى، فهم أحبوا بالشعر، وحاربوا به وقرؤوه على موتاهم قبل أن يقرؤوا عليهم النصوص الدينية، وعلى رأسها القرآن الكريم، إلاّ أن الشاعر العربي يبدو لي كما الشعر تماماً، يكبر دائماً في جدلية علاقته مع الحياة وتبعاتها.
 إنّنا اليوم نعيش واقعاً مفروضاً ملوناً بألوان المعاناة تارة، وبألوان النصر تارة أخرى، لذا كانت الأقلام ملونة بلون الواقع والنفس، وكانت النصوص الشعرية والنثرية – في جلِّها- أحاديث أرواح أعياها الأمل، ونفوس أشقاها الانتظار... أفرزت الأقلام نصوصاً كثيرة ومختلفة ما بين الشعر والنثر، إنّ ما نشهده اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض الصحف الإلكترونية، وبعض النوافذ التي من خلالها ظهرت أقلام للوجود، ونشرت نصوصاً شعرية، ومواد أدبية مميزة كثيراً لأسماء لم تكن معروفة، وبعض المنافذ نصّبت ما تريد من الناشرين شعراء وأدباء.
 إنّ للشعر قواعد وآليات، رغم أني لست ضد هذه النوافذ بالمطلق، لكن يجب أن تضبطها معايير معينة من قبل متخصصين في هذا المجال، هذه النوافذ التي توزع شهادات دكتوراه فخرية بالمجان لشعراء وأدباء لمجرد أنهم كتبوا نصاً ما، هنا أو هناك، أو كتبوا قصة أو رواية، لقد شابتها الفوضى والعبثية.
 * ماهي أسس ومعايير النقد الأدبي؟
** النقد الأدبي بدأ مع نشوء الأدب أو بعده بقليل وهو بدأ بانطباع يتركه النص في نفس القارئ المتلقي، وانتهى أو وصل الآن إلى نقد مبني على أسس وقواعد وآليات نقدية.
 لقد تطوّر (النقد) في عصرنا هذا، وتعددت مناهجه، ولكن يبقى المعنى العام له واحداً، فمنذ أرسطو وحتى اليوم لا يعدو أن يكون أسئلة عقلية يطرحها الناقد الذي يتصدى للعملية النقدية، عن مضمون النص، والطريقة التي سلكها الأديب، للتعبير عن أفكاره، وعواطفه، فالأدب ليس مضموناً فحسب، إنما هو فنّ راق أيضاً، كما أنّ المضمون ليس فكراً خالصاً، بل تصحبه العواطف والمشاعر، فمهمة الناقد الكشف عن مضامين النص الأدبي الفكرية، والدلالية، والكيفية التي لجأ إليها الكاتب للتعبير عن تلك المضامين، تأتي بعد ذلك عملية التقويم، وهذا الرأي الذي تراه جمهرة النقاد، تختلف فيه معهم مجموعة من النقاد ترى أنّ مهمة النقد تقتصر على الكشف عن مضامين النص الأدبي، وأسلوبه، أمّا مسألة الحكم فتترك للقارئ.
 يسعى الناقد الأدبي إلى أن يفسر الأعمال الأدبية، وفق آليات منظمة وأدوات نقدية تستند على مناهج نقدية محددة، فيلج ساحات العمل الأدبي، لغة، وفكراً، وإيقاعاً، وثقافة كاشفاً عن مكامن الإيجاب وبؤر السلب فيه، مسوغاً آراءه ببراهين علمية يقينية، لكننا نرى في معظم القراءات النقدية استقلالاً بالنظر دون تحليل المنجز الإبداعي، والوصول إلى بنيته التركيبية والأسلوبية التي تضمنها النص الأدبي، فقد اقتصر معظم النقاد على التنظير والاستغراق في العروض النظرية الخالصة، وكأنهم يقرون- بقصد أو بغير قصد- أنَّ النص لا يزال لغزاً محيراً لمن يروم مواجهته، من هنا غدت الإشكالية في تأزم النقد النظري، وابتعاده عن  نبض الواقع النصي أكثر وضوحاً، فقد أوقع ذلك التفكك بين النظرية والتطبيق الممارسة النقدية الأدبية في عزلة عن البحث.
وفي الحقيقة تختلف مناهج النقد في النظر إلى بنية النص الأدبي، شعراً موزوناً كان أم نثراً، قصة قصيرة كانت أم رواية، والأمر عائد لطبيعة التناول، فالنظر في بنية التركيب ودلالاته، تختلف عن النظر في بنية التشكيل الإيقاعي.
 * للناقد الموضوعي أهمية كبيرة وواضحة في تقييم العمل الأدبي- قولك بخصوص ذلك؟
** النقد له ضرورته وله وظيفته التي لا يشاركه أي جنس كتابي بها، وفن النقد أهم فنون الكتابة وأكثرها صعوبة، إذ تكمن أهمية النقد الأدبي في أنّه الدافع الرئيسي للارتقاء بلغة الكتابة، فالكاتب عندما يعلم أنّ هناك من يترصد أخطاءه وعثراته يفكر جيداً قبل أن يسرد أفكاره في سطور، فيولي كتابته العناية والاهتمام اللازمين، ومن ثم يكسب القراء كنتيجة طبيعية للجهد المبذول والتغذية الثقافية السليمة.
 الأديب بحاجة إلى النقد الذي يقوم على كشف حقيقة الكتابة والتعريف بها، إذ لا ينحو أي عمل أدبي منحى النضج والتمام والتميز بعيداً عن النقد الجاد العامل على توجيهه، إن النقد يشكل في بعض الحالات حالة إبداعية أيضاً توازي العمل المنقود، لأنه كتابة ثانية للنص، النقد الأدبي إبداع على إبداع، أي خروج الناقد بنص جديد، ولذلك يعد الناقد الحق مبدعاً ثانياً للنص، والناقد الحق، هو من فهم الأدب وراضه ومارسه، وتمتع بقدر وافر من المعرفة والثقافة ودرس أساليب الأدباء وكانت لديه القدرة على فهم أسرارهم، وإدراك مشاعرهم.
 على الناقد أن يكون مؤهلاً لهذا العمل، إذ لابد له من الإحاطة التامة بالنظريات النقدية القديمة والحديثة، والتعايش العميق الواعي مع حركة الكتابة الأدبية، والتمتع بوعي نقدي وحسّ قادر على قراءة النص بموضوعية وحيادية وتجرد، بعيداً عن الميل والهوى والانحياز إلى النص وصاحبه مسبقاً، كما يحدث في كثير من الأحيان، فالناقد الحصيف من المفترض أن تتوافر لديه الثقافة العميقة الواسعة، والاطلاع الدقيق على جنس الإبداع الذي يتصدى لنقده، وأن يمتلك الأدوات العلمية التي لا غنى عنها، وعلينا هنا ألا ننسى أن مفهوم النقد بحد ذاته قد تطور وتغير، ولم يعد معنياً بكشف عيوب النص أو الحكم عليه لغوياً وأسلوبياً ومضمونياً فقط، فقد أصبح النقد في بعض النظريات نصّاً إبداعياً شأنه في ذلك شأن الشعر والرواية وغيرهما.
 

 

الفئة: