العبوديـّة والمعنى السـّامي

العدد: 
9167
التاريخ: 
الثلاثاء, 7 آب, 2018
الكاتب: 
نعيم علي ميا

ما بين عبد وعباد وعبيد ثمّة اختلافٌ وبُعدٌ في المعنى والغاية التي تُستعمل لأجلها هذه الكلمة أو تلك لأنّ العبد الذي يكون عبداً للإله لن يكون إلا عزيزاً وحبيباً له، فهو الذي خلقَه على صورته وهل من أحدٍ يُنكر محبّة الخالق لخلقه؟! فكيف به إذاً يجعل (حاشا لله) عبدَه ذليلاً مُهاناً, نعم عباد الله مُعزّزون مُقدَّرون عند عزيز مقتدر.
إنّ الله عزّ وعَلا لم يكن ليُذلَّ عباده بعد أن هداهم وطوّع كلّ ما في الكون لخدمة الإنسان وإسعاده, بل نجده قد منح الإنسان العقل وكرّمه به وأعطاه وهداه النّجدين, ولكنّ هذا الإنسان العاقل يُدرك تماماً أنّ عبادة الله ليست من العبد الذليل إلى السّيّد المالك المطلق, لا بل إنّها عبادة العارف بقدرة الخالق وبمكانة المخلوق وفوق هذا وذاك هو العارف بأنّه الجدير بأنْ يكون عبداً من عباد الرّحمن الذي يحبّهم ويُسخّر لهم كلّ الموجودات .
 وأمّا أنْ يقول قائل قد قال عزَّ وعلا في محكم تنزيله « وما خلقتُ الإنس والجنّ إلاّ ليعبدونِ» بأنّ الله العزيز المقتدر أراد أنْ يكون له عباداً يعبدونه ويقرّون بأنّ الغاية من الخلق هي العبوديّة, وهنا أقول ومعي كلُّ عاقلٍ بأنّ الفهم المغلوط والتّفسير الخاطئ لقوله تعالى نحن المسؤولون عنه وليس الآية الكريمة والتّنزيل العظيم، فغاية الخالق من الخلق ليست إلا السّعي نحو إعمال العقل الذي مُنح للإنسان, في معرفة الخالق بالعبادة التي لا تكون إلا من خلال المعرفة التي تجعل الإنسان يعتزّ بعبادته ويسعى ما دام حيّاً أن يُترجم هذه الغاية وهذا الهدف السّامي.
وهنا ما أجمل أن نكون عباداً باختيار الخالق لنا أن يكون لنا ربّاً, وأنْ نكون السّاعين إلى المعرفة عبر البحث والتّقصّي وعبر التّرجمة الفعليّة للمعنى الحقيقيّ للكلمة ذات الإشكاليّة والقائمة على الفهم المتعدّد وهذا أمر طبيعيّ, فالجميع يعلم أنّ لكلٍّ منّا زواياه التي ينظر من خلالها, ولكلٍّ منّا حججُه في الإدراك والوعي.
ولأنّ المعنى الحقيقي يكمن في الإدراك الحقّ والمعرفة الحقيقيّة للكلمة وفي إسقاطها فإنّنا نستطيع القول جازمين: إنّ العبوديّة بهذا المعنى إنّما ترتفع بالإنسان وترتقي به ليصبح مفهوم العبوديّة مفهوماً سامياً راقياً, نعم العبوديّة النّابعة من المعرفة والمحبّة,المحبّة التي تجعل المرء أسيراً للحبيب, وهنا لا يستطيع المرء أنْ يبتعد كثيراً عن فكرة محبّة الخالق لخلقه ومحبّة الخلق لخالقهم والاعتراف بالنِّعَم التي لا تُعدُّ ولا تُحصى.
المعنى السّامي يكون في حقيقته بأنْ يكون الهدف سامياً يرتقي بالمرء ويُعلي من شأنه, وهذه غاية الخالق عزَّ وعَلا, الغاية التي تتجلّى في رفع الإنسان من دونيّة الكلمة إلى سموّ المعنى ورُقيّ الفعل.
ألا فلينظر المرء إلى ما هو مُسخّر لأجله في الحياة والكون, هل كلُّ هذا عبثاً ؟ الجواب: طبعاً حاشا لله أنْ يخلق الأشياء على العبثيّة, بل إنّه قد هيّأ الأسباب جميعها لخدمة الإنسان ولتوفير أسباب السّموّ الذي يجعل من العبوديّة المعنى السّامي.
وأمّا مسألة العبيد فهي أمرٌ آخر لا يقوم بين الخالق والمخلوق لأمرٍ في غاية البساطة والسّهولة ألا وهو أنّ الخالق عزّ وعَلا لم يجعل الإنسان مخلوقاً ذليلاً وإنّما مَن يسعى إلى ذلك هو الإنسان ذاته عندما يمتلئ قلبه بالطّمع والجشع وعندما لا يستطيع أنْ يرى إلا من خلال مقدار ما يملك من أراضٍ وعقارات و.. و.. إلخ عندها فقط تتحوّل العبوديّة إلى المفهوم السّلبي, هنا تكون علاقة بين السيّد والعبد بين المالك والمملوك لا بين الخالق والمخلوق.
نعم العبوديّة هي المعنى السّامي في حقيقته عندما يُدرك المرء أنّه يعبد ربّاً يعتزّ بعبادته ويعلم عين اليقين أنّه لن يتخلّى عنه ولن يكون بعيداً عنه.
إنّ الفعل النّابع من الذات الحاضرة نحو الذات الحاضرة والذي يقصد تحقيق الذات انطلاقاً من هذه الذات التي كانت أوّلاً لا بدّ أن يكون فعلاً سامياً بالمعنى الكلّي والحقيقي وإنْ كان قد سمّاه البعض عبوديّة ولكنْ أقول مرحباً بالعبوديّة ذات المعنى السّامي.

 

الفئة: