كي لا يبقـى الماضــي غائبــاً

العدد: 
9167
التاريخ: 
الثلاثاء, 7 آب, 2018
الكاتب: 
ندى كمال سلوم

نسلط الضوء في مادتنا هذه على بعض عناصر البيئة التراثية بما تحمله من جزئيات ومفردات بهدف معرفة كروم تراثنا الغني وذلك بالاستعانة بما أورده المؤلف عيسى أبو علوش في كتابه: من عبق التراث في الساحل السوري الذي وثق فيه بعضاً من أصناف الصناعات التقليدية الموروثة منذ القدم حتى صارت جزءاً من ماضي وتراث أجدادنا مثل: سطح التين وتجفيفه... في بداية الأمر تحدث المؤلف عن قريته الدالية التي تتوسط بحراً واسعاً من كروم العنب والتين المنتشرة حولها في كل الاتجاهات إذ تشكل ثمار العنب والتين عاملاً اقتصادياً داعماً لدخل الأسر – بل كان التين تحديداً أحد أعمدة اقتصاد الأسرة الرئيسية وأوضح أن الفائض عن الاستهلاك اليومي يجمع ويصنع ثم يخزن كمؤونة لأشهر السنة الأخرى وكان أصحاب الكروم يقضون من ثلاثة إلى أربعة أشهر كل سنة في كرومهم لحراستها – وخاصة في الليل من اللصوص الطامعين والثعالب النهمة.
ناطور الكروم
في إشارة من المؤلف إلى بعض الحكايا والقصص التي تتعلق بنواطير الكروم أشار قائلاً: كان كل ناطور يصنع كوخاً من أغصان الأشجار والنباتات المورقة التي تؤمن الفيء مثل الريحان والقيقب وغيرها – وعرزالاً يضم لباده و لحافه، وأدوات طعامه وشرابه وسلاحه الذي كثيراً ما يكون عصا كبيرة لمن لا يملكون أسلحة نارية ينامون فيها نهاراً ليتمكنوا من السهر ليلاً... وكم كانوا يحدثوننا عن مغامراتهم الليلية التي تختلط فيها الخرافة بالواقع والتهيؤات بالحقيقة وأجمل الأفلام تلك المقالب التي يديرها أصدقاء الناطور وأقاربه لاختبار شجاعته وردّة فعله تجاه سطو – مفتعل- على كرمه فيهاجمونه ويرشقون كوخه وما حوله بالحجارة من مسافات قصيرة ترغمه على التسمّر تحت لحافه من دون حراك وليحدث خارج كوخه ما يحدث...المهم أن ينجو بنفسه ولتذهب مساطح التين والعنب إلى الجحيم... وعندما كانوا يقصدونه في النهار التالي للتسلية كان يخبرهم عن مغامرة خطرة جداً خاضها الليلة الماضية مع عصابة كبيرة من اللصوص الذين اقتحموا الكرم واقتربوا من مسطح العنب ولولا تصديه لهم بشجاعة استثنائية خارقة وملاحقتهم إلى خارج الكرم لما كان في المسطح الآن عنقود واحد.. كانوا يتظاهرون أنهم يصغون إليه باهتمام شديد ويشعرونه أنهم معجبون جداً بشجاعته وإقدامه ومهارته في التصدي لعصابة كبيرة موازين القوى بينه وبينها غير متكافئة وهو مستغرق برواية أحداث، بتفصيل ممل إلى أن يهنؤوه بالسلامة..
وعن عملية تجفيف التين التي ما زال الناس حتى الآن يزاولونها ولو على نطاق ضيق فقد شرح الكاتب أبو علوش إنها تتم كما يلي: كانوا يحضرون له مستلزماته قبل تبشيره أي بداية نضوج ثماره فيأتون بأغصان الشنبوط وهو نبات حراجي أوراقه إبرية طويلة ناعمة ملساء نظيفة وكثيفة تؤمن ارتفاع الثمر المسطوح عن الأرض فلا يتسخ ويسمح بمرور الهواء من تحته فيساعد على تجفيفها بسرعة أكبر ثم يجمعونها مكدسة فوق بعضها بعضاً ويضعونها فوق الأثقال كالأخشاب الكبيرة والحجارة كي تتيبس أوراقها متجانبة منبسطة فلا تعود إلى عشوائيتها عندما كانت خضراء طويلة وكذلك يحضرون القفر والكيلات وعند تبشير التين يبدؤون بقطافه وجنيه فيأكلون منه ما يأكلون والفائض يسطحونه والسطح يعني فتح ثمرة التين ووضعها مفروشة فوق الشنبوط بطريقة تعرض قلب الثمرة وجوفها الداخلي لأشعة الشمس ثم يفرشون أغصان الشنبوط على الأرض المستوية ( سطح البيت) والمحمية من عبث الأولاد والمواشي ثم يبدؤون عملية السطح وعندما (يجمهر) التين أي تكثر فيه الثمار الناضجة كان أفراد الأسرة يوزعون العمل فيما بينهم فالرجال يقومون بحواشه والنساء يحملنه – معبأ بالقفر الفارغة إلى الكروم مرة أخرى وهكذا تكرر هذه العملية حتى ينتهي الحواش- وفي أثناء جمهرة التين يتم كل يومين أو ثلاثة أيام فعندما ينضج منه (فوج) يقطفونه، ثم يجمعون المسطوح – حيث يكون قد جف – فيسطحون الجديد مكانه وهكذا حتى ينتهي الموسم.
 

الفئة: