أقـــــــــــــلام شــــــــــــــابة

العدد: 
9162
التاريخ: 
الثلاثاء, 31 تموز, 2018
الكاتب: 
وليم عبد الله

عند الفجر ابتسم، ولفَّ جسده بالعلم
تعثرت بالكلمات وغرقت بأحاسيس الحزن والقهر والابتسامة المشبعة بالدموع فأنا لم أشعر يوماً بالانكسار كما شعرت اليوم...
أيها البطل...
منذ عام وبضعة أشهر حدث ما لم تره، كانت ابنتك ذات الأشهر القليلة تشاهد وثائقيّ الحب والحرب في أول عرض ٍ له، وكانت القصة الأولى قصتك، و ما أن رأتك ابنتك التي لم تجد الكلام بعدْ حتى مدّت يدها مشيرةً إلى شاشة العرض وكأنها تقول:
-هذا الجندي البطل هو والدي.
«علي الحافي»... الإنسان البسيط والخجول والجندي الشهم والشجاع، محررّ مستشفى دير عطية والكثير من المناطق السورية، بطل أعظم قصة حب في الحرب السورية، وصاحب أول قصة في وثائقي الحب والحرب، أيها الإنسان العظيم...
عندما ناداك الواجب في بداية الحرب لم تتأفف ولم تتأخر دقيقة واحدة عن الالتحاق بصفوف الجيش، تواجدت في أصعب تشكيلات الجيش وبقيت المحارب دائم الابتسامة عالي الخُلق، المؤمن بقدرك، والصبور.
بحثتُ عنك عندما عرفت بقصتك في مستشفى دير عطية، كنت أخشى أن ترفض الظهور والحديث عن قصتك أمام كاميرا وثائقي الحب والحرب، فالحرب كانت في أوجها وكثيرون يرفضون الظهور كي لا يعرفهم الأعداء ويسهل عليهم استهدافهم إلا أنّ شجاعتك وإيمانك بأن تنتشر الإنسانية على أوسع مدى ذللّت كل الصعاب، وظهرت وكنت إلى جانبي وزوجتك الطاهرة.
مستشفى دير عطية
هناك عندما أتاكم النداء للتحرك باتجاه مستشفى دير عطية، انطلقتم بكامل الإيمان والتقوى، خضتم معركة من أصعب المعارك لتحرير المستشفى.
يجب إنقاذ المدنيين المُحتجزين داخل المستشفى وقتل المسلحين الذين يرتدون أحزمة ناسفة». كانت هذه العبارة التي ترددونها منذ الرابعة صباحاً أثناء تحرك قواتكم من التلال المحيطة بالنبك باتجاه دير عطية. كان دخول المستشفى مستحيلاً، فالمسلحون في كل مكان والرهائن منتشرين بكل الطوابق، وفي كل خطوة تتقدمونها سيكون هناك من يفجر نفسه أو يرمي عليكم الرصاص والقنابل، حرب عصابات داخل البناء كانت الأخطر من نوعها لكنكم خضتموها دون تردد أو تفكير بالمصير.
حررّتم القبو والطابق الأول بأعجوبة، أنقذتم الرهائن في هذين الطابقين، وتابعتم القتال لتحرير باقي الرهائن في الطوابق الأخرى الرُّضع ..
طفلان في الحاضنة، أعمارهما يومان لا أكثر، الحرب قاسية والرصاص في كل مكان، دخلتم الغرفة، سحبتم الحاضنات وأنزلتموهما إلى القبو بأسلوب عجيب، لم تخافوا الموت، و في ظل القسوة فكرتم بهذين الطفلين لأن قلوبكم نقيّة لا يشوبها شيء، اعتنيتم بهما، وأطلقتم عليهما أسماء تنادونهم بها.
تابعتم المعارك داخل المستشفى حتى وصلتم إلى الطابق الأخير، وحررتم الرهائن هناك، سحبتم شهداءكم بصمت وعالجتم جرحاكم بهدوء، وابتسمتم للرهائن رغم الألم الذي يعتصر قلوبكم لتشعروهم بالأمان.
انتصرتم وحررتم الطاقم الطبّي، كان المشهد الإنساني مؤثراً للغاية، كنتم تحيطون بالرهائن كأنكم الأب وهم الابن، بعضهم يتحدث عن ظروف الحصار وبعضهم حزين على فراق الشهداء، وما هي إلاّ لحظة قصيرة حتى تحدثت تلك الممرضة فكان صوتها مفتاح قلبك الذي نبض رغم قسوة المعركة، لكن أيمكن للجندي أن يحب في الحرب؟؟ نعم إن كان قلب هذا الجندي هو قلب إنسان حقيقيّ.
نشأت قصة الحب، ولكن هل ستسمح لها الحرب بأن تكتمل؟
انتقلتم إلى جبهة حلب، وهناك انقطع التواصل معك كليّاً، فالحرب قاسية جداً والمسلحون في كل مكان، خاض الجيش معارك بطولية يشهد لها التاريخ هناك، وبعد شهر من هذه المعارك انتصر الجيش وانتقل إلى جبهة أخرى...
كانت معركة داريا وهناك أصابتك نيران الحقد إصابة بليغة اضطررت إلى دخول المستشفى، وهناك ماذا حدث؟؟؟ حصلت على نقاهة لمدة خمسة عشر يوماً وكانت هذا الأيام هي فرصتك الذهبية لتتزوج... أيها العالم، من يصدق أنّ هذا يحدث في سورية؟؟!! جندي مُصاب إصابة بليغة ولكن منذ بداية الحرب لم يكن لديه الوقت ليتزوج فاستغل إصابته ليتزوج بدل العلاج.
تزوّج من الفتاة التي أنقذها من مستشفى دير عطية، كلاهما فقير لا يمتلكان من أسباب الحياة إلاّ القليل، لكن مَنْ يزرع الخير يحصده –أحياناً- فالأشخاص الذين حررهم «علي» ورفاقه من مستشفى دير عطية ساعدوا هذين العاشقين وأمنوا لهما منزلاً لا ينقصه شيء، أحدهم قدّم لهما غرفة نوم وآخر نقوداً وأخرى قدمت لهم المنزل ليسكنوا فيه ريثما يحصلا على منزلهما الخاص.
لم تنته آلام الحرب هنا، فالجبهات مشتعلة في كل مكان... انتهت نقاهتك التي كانت شهر عسل بالنسبة لك، وغادرت متابعاً حربك... أذكر تلك اللحظة جيداً، عندما رأيتك في دمشق تمسك بيدك فنجان قهوة وتدخن سيجارة، تعانقنا وكأننا نلتقي للمرة الأخيرة، قلت لي حينها:
-قالوا لنا أنّ الحرب ستنتهي قريباً، وأنّ قواتنا لن تغادر دمشق بعد الآن.
ابتسمت وقلت له:
-سامحهم، هم لا يعرفون ما يقولون.
ابتسم «علي» وتنفسّ من سيجارته، ومن ثم رمى فنجان القهوة الورقيّ بعد أن ارتشف آخر قطرة قهوة فيه، وتركه للريح تتلاعب به كأنه يقول أنّ الحرب تتلاعب بقدري كما تتلاعب الريح بهذا الفنجان ولا يمكنني الحيلولة دون ذلك... تابعنا الحديث مع القليل من الابتسامة والضحك البائس.
غادرَتْ قواتهم إلى جبهات أخرى، و أنا أتابع أخباره ورفاقه من غجر الحرب، وأتغلّب على الحزن أحياناً لأكتب قصصهم لأنني أعرف القهر الذي يعيشونه ولا يشعر الآخرون به، وخلال أشهر بدأت معركة درعا...
انتقلت قوات الجيش بمعظمها إلى درعا، ساد الصمت هناك، المدافع تضرب بصمت، الدبابات تسير بصمت، الجنود يصرخون بصمت... يرتقي الشهداء بصمت ولا أحد يعرف بهم، وهناك ابتسم «علي» للمرة الأخيرة وهو ينظر إلى السماء.
«علي» الذي كان ينتظر مولوده الثاني الذي لا يزال في رحم أمه، «علي» الذي حطّم كل قيود الحرب، وحطم كل العادات البائسة في المجتمع، «علي» الذي لم يكن يخاف من شيء لأنه الجندي القوي الذي خاض أشرس المعارك، «علي» الذي انتظره الجميع ليبلغه أنّ الحرب ستنتهي هذه المرة فأخبار انتصاراتهم في درعا قد جالت في كل أنحاء المعمورة، عاد و الجميع ينتظره بفارغ الصبر، وصل في الصباح الباكر بدون ضجة تُذكر، لم يشأ أن يوقظ أحداً، فهو لا يحب أن يزعج أولئك الذين يحبونه ويوقظهم باكراً، لذلك لف جسده بالعلم و نام نومته الأبدية في تابوت خشبي والابتسامة لا تفارق شفاهه.
«علي الحافي» وماذا يمكن أن أكتب عنك فكل ما أقوله قليل.
ارقد بسلام أيها المقاتل الجسور والعاشق الرقيق والابن البار لوطنك...
لروحك السلام وسامحنا من عليائك نحن الذين لا نزال نتخبط في العالم الأسفل.