الجامعة بين جيلين

العدد: 
9157
التاريخ: 
الثلاثاء, 24 تموز, 2018
الكاتب: 
محمد صخر حيدر

في كل ما ندرسه، هناك علم. في الآداب علم. في الطب والطبيعة علم. ولا يزكو العلم، إلا إذا أغنيناه جميعاً، بوجهات نظر موضوعية. عندها يصير العلم دافئاً.. تصير القصيدة والرواية أجمل.. تسهل الرؤية الفلسفية ومنطقها وشروحها.. تتعزز المعطيات التطبيقية في العلوم التطبيقية، وتترسخ مفاهيمها في العقل.
 اليوم نفتقد هذا الواقع.. فلا أزال أذكر إلى هذه اللحظة، كيف كانت تمضي حياتنا الجامعية، ما اضطر واحد منا، إلى شراء محاضرات من مكتبة ما. كانت المكتبات مخصصة لبيع الكتب والقرطاسية وتجليد الكتب.. كانت كل محاضرة تنتهي، نناقشها فيما بيننا نحن الطلبة. وما غاب عنا منها، نستحضره من المحاضر أو رئيس القسم، بكل سرور وتقدير. كانت كل محاضرة تنتهي، وقبل مغادرة القاعة أو المدرج، تُناقش بين الطلبة والمحاضر.
 كانت دفاترنا. تصلح من أجل اعتمادها كتُباً جامعية، ولا سيما عندما لا يتوفر كتاب لمقرر ما.
لم نكن نحيا حياة ميكانيكية.. فأجمل الأوقات قضيناها في الجامعة.. أجمل الأماكن التي كنا نزورها كانت الجامعة. لا أذكر أن أهلنا وضعوا حدوداً نراعيها في تحركاتنا خارج منازلنا. وأنا لا أتكلم عن نفسي وحدي. هكذا كنا جميعاً. هي ثقتهم بنا. وكنا موضع الثقة.
كم أحببنا كليتنا.. كم كنا مهووسين في المحافظة على نظافتها. واعذروني - عفو الأدب - إن قلت لكم إن دورات المياه في كليتي، كانت أنظف من دورات المياه في فندق من خمس نجوم.
***
يبدو أنني شططت، ومضيت في طريق آخر. لكنني أعود إلى مربط الفرس.. أعود إلى دفء افتقده العلم، و لاسيما في الجامعة. فكل هذه الأعداد الهائلة من الطلبة فيها، نفاجأ بأن نصفهم متغيب عنها، لأسباب عديدة، هي في الواقع ضرائب ظالمة وغير عادلة، فرضتها الظروف.
وهكذا تُستدرك المحاضرات من المكاتب.. يتراجع الحوار العلمي، ويضل الكلام في المقاصف..
أنا فعلاً - وكي لا يسبقني مزاود - أسوق زمناً قديماً عشناه في الجامعة. أما لماذا؟ فذلك لأنها هكذا كانت يجب أن تبقى إلى يومنا هذا.
 حوار بين الجميع.. ملتقى صداقات جميلة.. خطوة على درب الاستقلالية المدروسة في الحياة، ولقد كان أساتذتنا في الجامعة، يخافون علينا، كما يخاف علينا أهلنا.. وهناك أمور أخرى.